النمسا الآن الإخبارية – فيينا
شهدت واحدة من أشهر جرائم الاغتيال المرتبطة بالجريمة المنظمة في النمسا تطورًا كبيرًا بعد أكثر من سبع سنوات على وقوعها، وذلك مع إلقاء القبض على رجل يشتبه بأنه نفذ عملية قتل استهدفت أحد أفراد عصابات الجبل الأسود في وسط فيينا أواخر عام 2018، في جريمة عرفت لاحقًا باسم “جريمة فيغلمولر”.
وتعود القضية إلى يوم 21 ديسمبر 2018، قبل ثلاثة أيام فقط من عيد الميلاد، عندما كانت شوارع وسط فيينا مكتظة بالمتسوقين والسياح. وفي ذلك اليوم كان المواطن من الجبل الأسود Vladimir R. البالغ من العمر 31 عامًا يتناول الغداء مع صديقين داخل مطعم Figlmüller الشهير قرب كاتدرائية Stephansdom.
وبحسب التحقيقات، لم يكن Vladimir R. موجودًا في فيينا للسياحة أو العمل، بل كان يحاول الاختباء. فقد أُفرج عنه قبل فترة قصيرة من أحد السجون في منطقة البلقان، وغادر بلاده متوجهًا إلى النمسا قبل ثلاثة أيام فقط من مقتله هربًا من خصومه. إلا أن هؤلاء تمكنوا من تعقبه حتى العاصمة النمساوية.
وعند نحو الساعة الواحدة والنصف ظهرًا غادر Vladimir R. المطعم برفقة صديقيه ودخل الممر المزدحم بين Bäckerstraße وWollzeile. وفي تلك اللحظات اقترب منه مسلح وأطلق عدة رصاصات باتجاهه. وأصابت إحدى الطلقات رأسه مباشرة ليسقط قتيلًا في المكان، بينما أصيب أحد مرافقيه بجروح خطيرة ونجا شخص ثالث كان برفقته دون إصابات.
وأثارت الجريمة حالة من الذعر بين المارة، فيما فرضت الشرطة طوقًا أمنيًا واسعًا على وسط المدينة وأطلقت عملية مطاردة كبيرة بمشاركة وحدات خاصة ومروحية، لكن المنفذ تمكن من الفرار واختفى أثره لسنوات.
وبقيت القضية دون حل حتى توصل المحققون مؤخرًا إلى خيط جديد قادهم إلى مدينة Rimini الإيطالية. وهناك كان يختبئ رجل يدعى Mili B. المطلوب دوليًا منذ عام 2020. ووفق المعلومات، كانت أجهزة الأمن تراقب شقة تعود لرجل روسي وتبدو غير مأهولة، إلا أن استهلاك الكهرباء المرتفع أثار الشكوك حول استخدامها كمخبأ.
وخلال عمليات المراقبة ارتكب المطلوب خطأً بسيطًا عندما ظهر للحظات عند نافذة الشقة، ما أكد للمحققين وجوده داخل المبنى. وفي 11 مايو نفذت الشرطة الإيطالية عملية مداهمة واسعة انتهت باعتقاله دون مقاومة.
وخلال التفتيش عثر المحققون على عدة هواتف محمولة ووثائق مزورة وسكين أوتوماتيكي وعصا تلسكوبية مخبأة داخل إحدى الأرائك في الشقة.
وبحسب صحيفة Der Standard، أرسلت النيابة العامة في فيينا الوثائق اللازمة إلى السلطات الإيطالية بهدف تسليمه إلى النمسا لمحاكمته في قضية الاغتيال. إلا أن المشتبه به يعارض عملية التسليم، كما أنه مطلوب أيضًا في الجبل الأسود على خلفية جريمة قتل أخرى.
ولا تتعلق القضية بجريمة فردية معزولة، بل ترتبط بصراع دموي مستمر منذ أكثر من عقد بين عصابتي Kavač وŠkaljari المنحدرتين من مدينة Kotor الساحلية في الجبل الأسود. وكانت العصابتان تعملان سابقًا معًا في تهريب الكوكايين من أمريكا الجنوبية إلى أوروبا ضمن ما يعرف باسم “كارتل البلقان”، قبل أن ينفجر النزاع بينهما عام 2014 بسبب خلاف على شحنة كوكايين تزن 200 كيلوغرام في مدينة Valencia الإسبانية.
ومنذ ذلك الحين تحول الخلاف إلى حرب مفتوحة شملت عمليات تعقب واغتيال وتفجيرات في عدة دول أوروبية. وتشير تقديرات المحققين إلى أن النزاع أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 80 شخصًا بشكل مؤكد، فيما يعتقد أن العدد الحقيقي قد يتجاوز المئة قتيل.
وكان Vladimir R. من الشخصيات المقربة من زعيم عصابة Kavač، Radoje Zvicer، ويعد من العناصر المهمة داخل الشبكة الإجرامية. وبعد مقتله كتب Zvicer رسالة رثاء قال فيها إن الضحية كان من أقرب الأشخاص إليه.
كما تكشف التحقيقات أن Vladimir R. لم يكن شخصًا عاديًا أو بعيدًا عن عالم الجريمة. ففي عام 2009 ارتبط اسمه بقضية قتل أحد قادة جماهير نادي Red Star Belgrad في صربيا. وتشير ملفات القضية إلى أنه شارك في الاعتداء على الضحية قبل مقتله. وبينما أُدين أحد أقاربه في القضية وقضى سنوات في السجن، حصل Vladimir R. لاحقًا على البراءة.
ولم تتوقف أعمال العنف عند ذلك. ففي عام 2017 تعرض أحد أقاربه لمحاولة اغتيال بواسطة سيارة مفخخة أدت إلى بتر ساقيه، وبعد أشهر قُتل والده بالرصاص قرب منزله. ثم جاء اغتيال Vladimir R. في فيينا عام 2018، قبل أن يُقتل أحد أبناء عمومته في الجبل الأسود عام 2020.
وتشير معلومات التحقيق إلى أن السلطات تشتبه أيضًا في ضلوع Mili B. في جريمة قتل ابن عم الضحية عام 2020. كما أظهرت رسائل مشفرة تم الحصول عليها لاحقًا أن المشتبه به ناقش مع شركائه خططًا لاغتيالات أخرى، من بينها اقتراح استخدام طائرة مسيرة محملة بالمتفجرات لاستهداف أحد خصوم العصابة.
وشكل اختراق تطبيق SkyECC المشفر نقطة تحول كبيرة في مكافحة هذه الشبكات. فقد تمكنت أجهزة الأمن الأوروبية من الوصول إلى ملايين الرسائل المتبادلة بين أفراد العصابات، وكشفت تفاصيل عن عمليات تهريب المخدرات والأسلحة والتخطيط لجرائم قتل في مختلف أنحاء أوروبا. ووفق بيانات أوروبية، ساهمت هذه العملية في إحباط أكثر من 100 جريمة قتل كانت قيد التخطيط.
كما أظهرت التحقيقات أن فيينا لم تكن ساحة مواجهة رئيسية بين العصابات فحسب، بل شكلت أيضًا مركزًا لوجستيًا وماليًا مهمًا لأنشطتها. ويقول محققون إن العاصمة النمساوية استخدمت كمكان للاجتماعات وتخزين الأموال والمخدرات وتأمين المخابئ المؤقتة للعناصر المطلوبة.
وأدت التحقيقات المرتبطة بعصابات البلقان داخل النمسا إلى ربط الشبكات الإجرامية بتهريب نحو 47 طنًا من المواد المخدرة، وإلى تنفيذ نحو 500 عملية اعتقال. كما صدرت أحكام بالسجن بلغ مجموعها نحو 1300 سنة بحق أفراد مرتبطين بهذه المنظمات الإجرامية.
وتعتبر مكافحة الجريمة المنظمة اليوم من أبرز الملفات المطروحة في مفاوضات انضمام الجبل الأسود إلى الاتحاد الأوروبي، حيث تطالب المؤسسات الأوروبية بمزيد من الإجراءات ضد شبكات المخدرات والفساد. كما يواجه عدد من المسؤولين الأمنيين والقضائيين السابقين في الجبل الأسود اتهامات تتعلق بعلاقات مزعومة مع عصابات الجريمة المنظمة، وهي اتهامات ينفونها.
ولا يزال زعيم عصابة Kavač، Radoje Zvicer، أحد أبرز المطلوبين دوليًا، فيما تلاحقه عدة دول بينها النمسا للاشتباه بضلوعه في أنشطة مرتبطة بتهريب كميات كبيرة من الكوكايين إلى أوروبا.
النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد.



