في 10 يونيو 2025، استيقظت النمسا على واحدة من أكثر الجرائم دموية في تاريخها المدرسي الحديث. هجوم مسلح دموي في مدرسة BORG Dreierschützengasse بمدينة غراتس، نفذه شاب نمساوي (س.) يبلغ من العمر 21 عامًا، أسفر عن مقتل تسعة أبرياء وإصابة العشرات، قبل أن ينهي الجاني حياته. لم يكن هذا مجرد حادث فردي، بل زلزال اجتماعي ونفسي أعاد طرح أسئلة جوهرية حول المجتمع، المدرسة، الشباب، والأسرة.
تسلسل الأحداث بدأ صباح الثلاثاء، في تمام الساعة العاشرة، حين كان الطلاب والمعلمون في أجواء دراسية اعتيادية. الجاني (س.)، وهو طالب سابق بالمدرسة، دخل المبنى مسلحًا ببندقية صيد ومسدس مرخصين قانونيًا. أطلق أكثر من 40 رصاصة بشكل عشوائي في فصلين دراسيين، مستهدفًا بشكل خاص طلابًا ومعلمين كانوا يعرفونه سابقًا. ست نساء وثلاثة رجال من الطلاب والمعلمين لقوا حتفهم فورًا، بينما أصيب 12 آخرون بجروح، بعضهم في حالة حرجة. بعد دقائق من بدء الهجوم، عُثر على الجاني منتحرًا في أحد حمامات المدرسة. تدخلت الشرطة خلال دقائق، بمشاركة 300 عنصر و56 من وحدة “كوبرا” الخاصة، وتمت السيطرة على المدرسة وإجلاء الطلاب بسرعة.
أما عن الجاني (س.)، فهو نمساوي الجنسية، يبلغ من العمر 21 عامًا، وكان طالبًا سابقًا في المدرسة، ولم يكمل تعليمه فيها. لم يكن معروفًا لدى الشرطة، ولا يحمل سجلًا جنائيًا. امتلك الأسلحة بشكل قانوني بعد اجتيازه الفحوصات المطلوبة، ما يطرح تساؤلات حول فعالية الفحوصات النفسية والإجراءات الوقائية في نظام الترخيص النمساوي. حتى الآن، لم تعلن السلطات عن دافع واضح. ومع ذلك، تشير بعض التحليلات إلى احتمالية وجود إحباط شخصي أو فشل أكاديمي، حيث قد يشير اختيار المدرسة كهدف إلى رغبة في الانتقام من مؤسسة شعر فيها بالعجز أو الإقصاء. كما أن غياب أي سجل جنائي أو إشارات سابقة قد يدل على معاناة صامتة، ربما من العزلة أو الاكتئاب أو اضطرابات نفسية لم تُشخّص. غالبًا ما تحمل مثل هذه الجرائم رسالة احتجاج صامتة ضد المجتمع أو النظام التعليمي أو حتى الأسرة.
بالنسبة للضحايا، فقد كان معظمهم من الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و18 عامًا، إضافة إلى معلمين وموظفين إداريين. لم تقتصر المأساة على الضحايا المباشرين، بل امتدت إلى مئات الطلاب وأسرهم، وحتى المجتمع النمساوي بأسره، الذي وجد نفسه أمام مأساة جماعية تهدد الإحساس بالأمان في المؤسسات التعليمية.
على مستوى الاستجابة الرسمية والمجتمعية، أعلنت الحكومة الحداد الوطني ثلاثة أيام، مع دقيقة صمت جماعية، وإلغاء جميع الفعاليات الرسمية في ولاية شتايرمارك. تم تقديم دعم نفسي عاجل للطلاب والأهالي، ونقل الطلاب الناجين إلى قاعة Helmut List لتلقي الدعم النفسي من مختصين، وسط إجراءات أمنية مشددة لحمايتهم من الإعلام والفضوليين. موجة من الحزن والذهول اجتاحت البلاد، مع دعوات عاجلة لمراجعة قوانين الأسلحة، وتعزيز برامج الصحة النفسية في المدارس، وتكثيف إجراءات الأمن المدرسي.
هذه الجريمة تعكس أبعادًا أعمق عن المجتمع النمساوي، أبرزها أزمة الصحة النفسية لدى الشباب، حيث تتزايد حالات الاكتئاب، العزلة، والضغط الأكاديمي مع نقص في الدعم النفسي المبكر، ما قد يكون بيئة خصبة لمثل هذه الانفجارات العنيفة. كما تبرز ثغرات في منظومة التعليم، إذ قد يدفع شعور بعض الطلاب بالفشل أو الإقصاء أو التنمر إلى العزلة أو حتى العنف. رغم صرامة القوانين النمساوية، إلا أن الجاني حصل على رخصة سلاح بسهولة نسبية، ما يثير التساؤلات حول كفاية الفحوصات النفسية الحالية ومعايير منح التراخيص. غياب إشارات تحذيرية واضحة في سلوك الجاني يطرح أيضًا تساؤلات حول دور الأسرة، الأصدقاء، والمعلمين في اكتشاف الأزمات النفسية مبكرًا.
من الدروس المستفادة والتوصيات التي خرج بها الخبراء، ضرورة تعزيز برامج الصحة النفسية في المدارس، ووجود مختصين نفسيين دائمين، وتدريب المعلمين على اكتشاف علامات الخطر مبكرًا. كما يُوصى بمراجعة شاملة لقوانين الأسلحة، وتشديد الفحوصات النفسية، خاصة للفئة العمرية الشابة، وربطها بمتابعة دورية. تطوير أنظمة الإنذار المبكر وتشجيع الطلاب والأهالي على الإبلاغ عن أي سلوك مقلق دون وصمة اجتماعية من الضروري أيضًا، إلى جانب حملات توعية وطنية حول أهمية الصحة النفسية وقيم التسامح والإبلاغ المبكر عن أي علامات خطر.
في الختام، مجزرة غراتس ليست مجرد حادث فردي، بل ناقوس خطر يدق في ضمير المجتمع النمساوي كله. هي دعوة لإعادة النظر في منظومة التعليم، الصحة النفسية، وقوانين الأسلحة، وبناء جسور ثقة وتواصل حقيقية بين الشباب والأسرة والمدرسة والمجتمع. فقط عبر المواجهة الصريحة والجادة لهذه التحديات، يمكن للنمسا أن تضمن ألا تتكرر مثل هذه المآسي في المستقبل.
النمسا الآن الإخبارية نوافيكم دائمًا بكل جديد.




