النمسا الآن الإخبارية – النمسا
تواجه منظومة الطب الشرعي في النمسا أزمة عميقة ومتفاقمة تهدد بشكل مباشر قدرة السلطات على كشف الجرائم، في ظل نقص حاد في الكوادر وتراجع مستمر في الموارد، ما دفع خبراء إلى التحذير من أن بعض الجرائم قد تبقى دون حل في المستقبل القريب، بحسب ما أفادت وكالة الأنباء النمساوية APA.
خلال مؤتمر صحفي وُصف بالحساس، رسم رئيس نقابة الأطباء Johannes Steinhart صورة قاتمة للوضع، مؤكدًا أن هذا المجال الحيوي تعرض على مدى سنوات طويلة إلى تراجع تدريجي في الدعم والتمويل، ما أدى إلى إضعاف البنية الأساسية للطب الشرعي، خاصة في مجالات التدريب والتأهيل.
المعطيات الرسمية تشير إلى تدهور واضح في الأداء، حيث يستغرق إعداد تقرير التشريح في فيينا نحو 152 يومًا في المتوسط، بينما يصل إلى 77 يومًا في Graz، وهي فترات زمنية طويلة تعكس حجم الضغط ونقص الإمكانيات، بل إن بعض الحالات تعتمد بالكامل على طبيب واحد فقط، ما يعني أن أي غياب بسبب المرض أو الإجازة يؤدي إلى توقف العمل بشكل كامل.
الأزمة لا تتوقف عند البطء في الإجراءات، بل تمتد إلى نقص خطير في الكوادر، إذ لا يتجاوز عدد الأطباء المتخصصين في الطب الشرعي في النمسا 37 طبيبًا فقط، بمتوسط عمر يزيد عن 53 عامًا، في حين يُتوقع أن يتقاعد نصفهم خلال السنوات العشر المقبلة، بينما يكاد يغيب الجيل الجديد، حيث لا يوجد سوى طبيب واحد فقط تحت سن 35 عامًا.
في الوقت ذاته، تتزايد الضغوط على هذا القطاع مع ارتفاع عدد الحالات، إذ تسجل عيادات العنف في فيينا نحو 1000 حالة سنويًا، مقابل حوالي 500 حالة في Graz، ما يعكس تزايد الحاجة إلى خدمات الطب الشرعي، في وقت لا تتوافر فيه الموارد الكافية لمواكبة هذا الطلب المتصاعد.
الهيكل التعليمي يمثل أحد أبرز نقاط الضعف، حيث يقتصر تدريب الأطباء الشرعيين على المعاهد الجامعية، التي تعاني بدورها من نقص في التمويل والوظائف، ما يؤدي إلى إغلاق الأبواب أمام العديد من المهتمين بهذا التخصص رغم وجود رغبة فعلية لديهم، وهو ما يفاقم الأزمة على المدى الطويل.
مقارنة دولية تكشف حجم الفجوة، إذ تُظهر البيانات أن مدنًا إيطالية مثل Bari وPavia تضم عشرات المتدربين في الطب الشرعي، ضمن أنظمة تدريب مدعومة بشكل جيد، في حين تعجز النمسا عن توفير أعداد مماثلة، ما يضعها في موقف ضعيف مقارنة بدول أوروبية أخرى.
الخبراء يجمعون على أن الحل يتطلب إجراءات عاجلة تشمل زيادة التمويل، وتوسيع فرص التدريب، وتحسين شروط العمل لجذب الكفاءات، مؤكدين أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى انهيار جزئي في منظومة التحقيق الجنائي، وهو ما قد ينعكس بشكل مباشر على العدالة والأمن في البلاد.
النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد.



