النمسا الآن الإخبارية – فيينا
“كيف أندمج بمعدة فارغة؟” بهذا السؤال الصادم عبّرت فاطمة، وهي لاجئة سورية تبلغ من العمر 51 عامًا تعيش في فيينا، عن إحباطها بعد إعلان بلدية المدينة وقف تحويل إعانات اللاجئين الحاصلين على الحماية الفرعية (subsidiär Schutzberechtigte) من نظام الحد الأدنى للمعيشة (Mindestsicherung) إلى نظام الرعاية الأساسية (Grundversorgung) فقط، في خطوة وُصفت بأنها أشد إجراءات التقشف في المجال الاجتماعي منذ سنوات.
وبحسب تقرير مفصل نشرته صحيفة “دير شتاندر”، سيؤدي القرار إلى خفض المخصصات المالية لنحو 11 ألف لاجئ ولاجئة في فيينا اعتبارًا من مطلع العام المقبل. ووفق النظام الجديد، ستحصل المرأة العزباء على 437 يورو شهريًا فقط، بينما ستحصل أسرة مكونة من والدين وطفلين على 1,190 يورو، وهي مبالغ اعتبرها اللاجئون ومنظمات المساعدة غير كافية لتغطية الحاجات الأساسية في العاصمة النمساوية.
وتعيش فاطمة في شقة متداعية بمنطقة Favoriten في الحي العاشر، برفقة أطفالها الثلاثة الذين يعانون جميعهم من إعاقات جسدية وعقلية. تحدثت للصحيفة من داخل بيت أوته بوك (Ute Bock Haus)، حيث تتلقى مساعدات غذائية دورية من المتطوعين.
تقول فاطمة، التي فرت من سوريا قبل ثلاث سنوات:
“رحلنا عن بلادنا بحثًا عن الأمان لأطفالي الثلاثة المعاقين. الآن أعيش في منزل مليء بالعفن، والمرجل معطل منذ شهور، والمال لا يكفي للإيجار. منذ تسعة أشهر أنتظر قرار بدل الرعاية ولم يصل شيء. إذا طبقوا هذا القرار، سنُطرد إلى الشارع. كيف أندمج بمعدة فارغة؟”
وتوضح فاطمة أنها غير قادرة على العمل بسبب حاجة أطفالها المستمرة إلى الرعاية اليومية، وتضيف أنها تتمنى لو أن السياسيين “يشاهدون بأعينهم من يستطيع العمل ومن لا يستطيع”.
وحين سُئل المتحدث باسم مستشار الشؤون الاجتماعية في فيينا بيتر هاكر (Peter Hacker) من الحزب الاشتراكي (SPÖ) عن إمكانية استثناء حالات إنسانية مثل حالة فاطمة، أجاب بالنفي، مؤكدًا أن القرار سيُطبّق دون استثناءات. وأضاف أن التنسيق جارٍ مع وزيرة الاندماج كلوديا بلاكولم (Claudia Plakolm) من حزب الشعب النمساوي (ÖVP) لوضع نظام وطني موحد للمساعدات المخصصة للحاصلين على حماية فرعية.
وفي تقريرها، نقلت الصحيفة أيضًا شهادة رودا، وهي لاجئة من الصومال تبلغ من العمر 56 عامًا وأم لأربعة أبناء، قالت إنها تشعر “بالخذلان والعزلة” منذ إعلان القرار. كانت رودة تعمل في بلدها في مجال الخدمات الاجتماعية، لكنها تواجه صعوبات في إيجاد وظيفة بالنمسا بسبب ضعف لغتها الألمانية.
“جئت إلى هنا لأعيش بكرامة، ولكننا نشعر الآن أننا تُركنا وحدنا. يعتمد عليّ أطفالي الأربعة، ويساعدني ابني الأكبر الذي يعمل، لكننا لن نستطيع دفع الإيجار بعد الآن. لا يوجد وقت للاستعداد لهذا التغيير. أشعر أني لم أعد جزءًا من هذا المجتمع. الاندماج يحتاج من الطرفين، لا منا وحدنا.”
وأضافت رودا أنها تنوي الاستمرار في حضور دورات اللغة الألمانية على أمل تحسين فرصها في العمل، لكنها تخشى أن يؤدي تقليص المساعدات إلى انقطاعها عن التعليم وإغلاق باب الأمل أمامها وأمام أولادها.
أما زهرة، وهي باحثة سودانية تبلغ من العمر 45 عامًا وحاصلة على شهادة في علوم وتكنولوجيا الأغذية، فتحدثت عن معاناتها في البحث عن عمل رغم مؤهلاتها العالية. تقول إنها أرسلت أكثر من 300 طلب توظيف خلال السنوات الأربع الماضية، لكنها لم تتلق سوى الرفض.
“عملت في السودان باحثة علمية في مجال تكنولوجيا الأغذية. لا أريد أن آخذ مالًا من الدولة، أريد أن أعمل. لكني أتلقى الرفض دائمًا لأن لغتي ليست مثالية أو لأن شهادتي ليست معترفًا بها هنا. الآن يريدون قطع المساعدة عني. كيف سأعيش من الرعاية الأساسية؟ هذا كابوس.”
زهرة، التي لا تزال تخضع لوضع الحماية الفرعية، أشارت إلى أنها لا تملك حرية الانتقال إلى بلد أوروبي آخر إلا بعد مرور خمس سنوات من إقامتها في النمسا، ما يجعلها محاصرة قانونيًا واقتصاديًا، كما قالت. وأضافت:
“إذا لم يريدوا منا البقاء، فعليهم على الأقل مساعدتنا على المغادرة. لكنهم لا يقدمون أي حل.”
في المقابل، دافع المتحدث باسم مستشار الشؤون الاجتماعية بيتر هاكر عن القرار قائلًا إنه يهدف إلى ضبط الإنفاق وتوحيد نظام المساعدات على مستوى البلاد، مؤكدًا أن “إدارة الولاية لا تستطيع تحمل الفوارق في دعم فئات دون غيرها”.
غير أن منظمات المجتمع المدني في فيينا انتقدت بشدة هذا التوجه، محذّرة من أن القرار سيدفع آلاف اللاجئين نحو الفقر والتهميش، وسيتسبب في زيادة أعداد المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية والخيرية. واعتبرت جمعيات حقوقية أن الخطوة تتناقض مع سياسة الاندماج المعلنة للحكومة، لأنها “تجعل الاندماج مستحيلًا في ظل الجوع والخوف من التشرد”.
تختم الصحيفة تقريرها بنقل شعور الإحباط العام بين اللاجئين الذين يرون أن القرار الجديد ينسف أي شعور بالأمان أو الاستقرار كانوا قد بنوه خلال السنوات الماضية. وبينما تستعد فيينا لتطبيق التعديلات مطلع العام، تتزايد المخاوف من موجة جديدة من الفقر والعزلة داخل فئة الحاصلين على الحماية المؤقتة في البلاد.
النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد.



