بعد سنوات من الاعتياد على العمل المرن وراحة المكتب المنزلي، بدأ العديد من الموظفين في النمسا وأوروبا يشعرون بالإحباط مع قيام شركاتهم بإلغاء خيار “العمل من المنزل” (Homeoffice) بشكل كامل، وإلزامهم بالعودة إلى المكاتب بدوام تقليدي.
النتيجة؟ موجة جديدة من “الانتقام الهادئ” داخل الشركات، حيث يستخدم الموظفون أساليب سلبية خفية أو مبتكرة للتعبير عن استيائهم – في ظاهرة اجتماعية آخذة بالاتساع تُعرف بـ”الامتثال السلبي“.
من التعاون إلى “أفعل كأني أعمل”
العبارة الألمانية التي بدأت تتداول مؤخرًا على وسائل التواصل “Tue nur so” – أي “أفعل فقط كأني أعمل” – باتت شعارًا غير رسمي لمئات الموظفين الذين يذهبون إلى مكاتبهم بجسدهم فقط، لا بعقولهم أو حماسهم.
تتضمن ردود الفعل هذه:
- تنفيذ المهام ببطء شديد دون مبادرة
- الانسحاب من أي عمل إضافي أو أفكار تطويرية
- أخذ استراحات طويلة ومبالغ فيها
- حضور جسدي بلا تفاعل يُذكر في الاجتماعات
- أو حتى إخفاء ساعات العمل الفعلي خلف نشاطات شكلية
لماذا هذا التمرّد الهادئ؟
يقول هانس شتاينر، خبير في علم النفس الوظيفي بجامعة غراتس:
“العودة الإلزامية إلى المكتب بعد فترة طويلة من الاستقلالية، تُشعر كثيرين بفقدان الثقة والسيطرة. وهم يردّون بطريقة غير مباشرة، ولكن فعّالة.“
ويضيف أن العامل النفسي الأهم هو الشعور بأن الشركات لا تثق بموظفيها، رغم أنهم أثبتوا كفاءتهم خلال فترة العمل عن بُعد.
أمثلة واقعية من شركات نمساوية
بحسب تقرير نشرته صحيفة “Heute”، فإن بعض الموظفين في فيينا قاموا بـ:
- العمل من المكتب المحمول (Laptop) لكن من المقاهي المجاورة للمبنى، “فقط ليُقال إنهم في المكان”
- إدخال برمجيات لأداء “نقرات وهمية” على لوحة المفاتيح لإيهام النظام بأنهم نشطون
- تحديد اجتماعات وهمية لملء الجداول الزمنية ومنع التكليف بمهمات إضافية
رد الشركات: بين الصمت والتراجع الجزئي
رغم أن بعض الشركات تلتزم بسياسة “لا رجوع إلى المنزل”، بدأت أخرى تشعر بتراجع ملحوظ في الإنتاجية والمعنويات، ما دفعها إلى إعادة النظر في سياساتها.
شركة تقنية في لينز، على سبيل المثال، أعادت مؤخرًا خيار العمل من المنزل ليومين أسبوعيًا بعد أن لاحظت انخفاضًا بنسبة 17% في جودة التسليمات.
خاتمة: بين الانضباط والمرونة… من يربح؟
تكشف هذه الظاهرة أن العمل لم يعد مجرد مسألة حضور جسدي، بل علاقة قائمة على الثقة والمرونة والاحترام المتبادل.
وإذا تجاهلت الشركات هذا التحوّل العميق في توقعات الموظفين، فقد تجد نفسها أمام طوفان صامت من اللامبالاة المؤسسية يصعب معالجته.
المرحلة المقبلة ستظهر ما إذا كانت بيئة العمل ستعود إلى النمط القديم، أم تتطور نحو نموذج هجين أكثر توازنًا بين المكتب والمنزل.




