النمسا الآن الإخبارية – النمسا
تشهد الصناعة المعدنية في النمسا تطورات مقلقة بعد تسجيل تراجع حاد في عدد الوظائف خلال فترة قصيرة، حيث فقد القطاع أكثر من 10 آلاف وظيفة خلال العامين الماضيين، في مؤشر واضح على تحول هيكلي قد يهدد مكانة هذا القطاع كأحد أعمدة الاقتصاد الوطني. وتأتي هذه المعطيات في وقت تتزايد فيه الضغوط على الشركات الصناعية، ما يدفع العديد منها إلى إعادة النظر في مواقع الإنتاج ونقل أنشطتها إلى الخارج، وذلك بحسب ما نقلته صحيفة Kronen Zeitung.
وبحسب البيانات، فقد تم فقدان نحو 4700 وظيفة خلال العام الماضي وحده، إضافة إلى ما بين 3000 و4000 وظيفة مرتبطة بالعمالة المؤقتة، ما يعكس تسارع وتيرة التراجع. ويُعد هذا الانخفاض تحولًا لافتًا مقارنة بالسنوات السابقة، حيث كان القطاع قد شهد نموًا مستمرًا في التوظيف على مدى أكثر من عقدين، رغم التحديات المرتبطة بالأتمتة وارتفاع تكاليف العمالة.
ويضم قطاع الصناعات المعدنية في النمسا شركات كبرى تُعد من الركائز الأساسية للاقتصاد، من بينها Doppelmayr وEngel وRosendahl وOtto Bock وHörbiger وPalfinger، وهي شركات لعبت دورًا مهمًا في خلق فرص العمل ودعم الإنتاج الصناعي. ويبلغ حجم الإنتاج في هذا القطاع نحو 47 مليار يورو، ما يجعله من أكبر القطاعات الصناعية في البلاد.
وفي الوقت الحالي، لا يزال القطاع يوفر نحو 130 ألف وظيفة داخل النمسا، إلا أن هذه الأرقام قد تتراجع في المستقبل القريب، في ظل توجه متزايد لدى الشركات لنقل أنشطتها الإنتاجية إلى دول ذات تكاليف أقل. وتشير المعطيات إلى أن بعض الشركات بدأت بالفعل بنقل الإنتاج إلى دول في أوروبا الشرقية، مثل رومانيا، حيث تُعد ظروف الإنتاج أكثر تنافسية من حيث الكلفة.
ويحذر ممثل القطاع الصناعي Christian Knill من أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى ما وصفه بعملية “تفكيك صناعي” تدريجية، حيث تفقد النمسا جزءًا من قاعدتها الإنتاجية لصالح دول أخرى. وأكد أن هذا التطور لا يمكن تجاهله، بل يتطلب تدخلًا سريعًا لمنع تفاقمه.
وتدعم نتائج استطلاع حديث هذه المخاوف، حيث أشار 41 في المئة من الشركات إلى نيتها تقليص عدد الوظائف داخل النمسا خلال السنوات الخمس المقبلة، في حين توقع 15 في المئة فقط زيادة التوظيف. وعلى النقيض من ذلك، أظهرت الشركات التي تمتلك مواقع إنتاج خارج البلاد توجهًا مختلفًا، حيث أعرب 60 في المئة منها عن خطط لتوسيع التوظيف في الخارج، ما يعكس بوضوح اتجاه نقل فرص العمل خارج النمسا.
ولا تقتصر التحديات على الوظائف الحالية، بل تمتد أيضًا إلى مستقبل القوى العاملة، حيث شهدت برامج التدريب المهني تراجعًا ملحوظًا. فقد انخفض عدد المتدربين الجدد في القطاع بنسبة 16 في المئة بين عامي 2023 و2025، ما يشير إلى ضعف الإقبال على هذا المجال أو تراجع استثمارات الشركات في تأهيل الكوادر الجديدة. كما أظهرت البيانات أن 13 في المئة من الشركات تخطط لتقليص عدد المتدربين في السنوات القادمة.
ورغم هذه التحديات، يرى ممثلو القطاع أن هناك بعض المؤشرات الإيجابية، خاصة فيما يتعلق بتكاليف الأجور، حيث تم التوصل إلى اتفاق يقضي بزيادة الرواتب بنسبة أقل من معدل التضخم المتوقع، ما قد يساهم في تخفيف العبء المالي على الشركات وتحسين قدرتها التنافسية. ويُنظر إلى هذا التطور كعامل قد يساعد في الحد من وتيرة نقل الإنتاج إلى الخارج.
كما أشار ممثلو القطاع إلى أن خطة الميزانية الحكومية الجديدة قد تفتح المجال لبعض التحسن، خاصة مع الإجراءات المرتبطة بتخفيض تكاليف العمل غير المباشرة اعتبارًا من عام 2028، إضافة إلى الاستراتيجية الصناعية التي تتضمن أكثر من 100 إجراء، والتي يُنتظر أن تلعب دورًا في دعم القطاع إذا تم تنفيذها بشكل فعلي.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن قطاع الصناعات المعدنية في النمسا يقف أمام مرحلة مفصلية، حيث تتداخل عوامل داخلية وخارجية لتحديد مستقبله، ما يجعل من الضروري اتخاذ قرارات استراتيجية لضمان استمراريته ودوره في الاقتصاد الوطني.
النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد.



