النمسا الآن الإخبارية – النمسا
في وقت تتصاعد فيه التساؤلات حول عدالة نظام منح الجنسية في النمسا، تتكشف صورة واضحة عن وجود مسارين مختلفين تمامًا للحصول على الجواز النمساوي، حيث يتمكن فنانون ورياضيون من الحصول عليه بسرعة لافتة ضمن ما يُعرف بـ”التجنيس الاستثنائي”، بينما يواجه مستثمرون ورجال أعمال يسعون لإنشاء شركات وتوفير وظائف مسارًا طويلًا ومعقدًا قد ينتهي أحيانًا بالرفض، ما يفتح باب النقاش حول المعايير الحقيقية التي تعتمدها الدولة في هذه القرارات وتأثير ذلك على الاقتصاد الوطني.
القضية برزت مجددًا بعد حصول لاعبة التنس الروسية Anastasia Potapova ومغنية الأوبرا الروسية Anna Netrebko على الجنسية النمساوية، في وقت لا يزال فيه العديد من الأجانب الذين يخططون للاستثمار داخل البلاد أو خلق فرص عمل ينتظرون لسنوات دون نتيجة، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين الفئات المستفيدة من هذا النظام، خصوصًا أن القرارات الخاصة بهذه الحالات تصدر مباشرة من الحكومة ضمن مجلس الوزراء، ما يمنحها طابعًا استثنائيًا وسريعًا مقارنة بالإجراءات التقليدية.
الإطار القانوني لهذا النوع من التجنيس يستند إلى المادة 10 الفقرة 6 من قانون الجنسية، والتي تتيح منح الجنسية بشكل ميسر للأشخاص الذين قدموا أو يُتوقع أن يقدموا “إنجازات استثنائية” تخدم مصلحة الجمهورية، وهي صياغة واسعة تتيح تفسيرًا مرنًا يشمل مجالات متعددة مثل الفن والرياضة، ولكن أيضًا الاقتصاد والبحث العلمي، ما يعني أن رجال الأعمال والمستثمرين يمكنهم نظريًا الاستفادة من نفس الامتيازات إذا أثبتوا أن نشاطهم يحقق قيمة مضافة حقيقية للبلاد.
وبحسب ما أوردته صحيفة كرونه نقلًا عن الخبير الدستوري Univ.-Prof. Dr. Peter Bußjäger، فإن الحكومة وضعت بالفعل معايير محددة لتقييم هذه الحالات، تشمل قدرة الشركة التي يقودها المتقدم، ومدى مساهمتها في خلق فرص عمل على نطاق ملموس، إضافة إلى حجم الاستثمارات التي يتم ضخها داخل الاقتصاد، إلا أن المشكلة لا تكمن في النصوص بل في طريقة تطبيقها، حيث يتم التعامل مع ملفات رجال الأعمال بحذر شديد وإجراءات مطولة، في حين يتم منح الجنسية للرياضيين والفنانين بوتيرة أسرع وبدرجة أعلى من التساهل.
هذا التباين في التطبيق يطرح إشكالية جوهرية تتعلق بقدرة النمسا على المنافسة دوليًا في جذب الاستثمارات، خصوصًا في ظل ما وصفه الخبير بحالة “الركود الطويل” في موقع البلاد الاقتصادي، حيث تعتمد دول أخرى سياسات أكثر مرونة لجذب المستثمرين ورواد الأعمال، بينما تبدو النمسا، وفق هذا التقييم، مترددة في استغلال هذا المسار كأداة لتعزيز اقتصادها، رغم أن القانون نفسه يسمح بذلك بوضوح.
الخبير شدد أيضًا على أن مجرد تحويل الأموال أو شراء العقارات لا يجب أن يكون كافيًا للحصول على الجنسية، وهو ما يتفق مع التوجه العام لتجنب ما يُعرف بـ”الجوازات الذهبية”، لكن في المقابل، حذّر من المبالغة في التشدد عند تقييم المشاريع الاستثمارية، لأن الاستثمار بطبيعته ينطوي على مخاطرة مستقبلية، ولا يمكن ضمان نتائجه بشكل كامل منذ البداية، ومع ذلك يبقى عنصرًا أساسيًا في دعم الاقتصاد وخلق الوظائف، وهو ما كان المشرّع الدستوري يسعى إلى تشجيعه عند إدراج هذا الاستثناء في القانون.
في المحصلة، يرى الخبير أن النمسا قد تفوّت فرصة حقيقية لتعزيز موقعها الاقتصادي إذا استمرت في تطبيق هذه المعايير بشكل غير متوازن، مؤكدًا أن المطلوب هو تحقيق توازن دقيق بين حماية النظام من الاستغلال وبين فتح المجال أمام استثمارات حقيقية تساهم في النمو، بدلًا من حصر الاستفادة بشكل غير مباشر في فئات محددة مثل الرياضيين والفنانين، على حساب فاعلين اقتصاديين قادرين على إحداث تأثير طويل الأمد في سوق العمل.
النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد.



