النمسا الآن الإخبارية – النمسا
في وقت تتجه فيه معظم الدول الأوروبية بشكل متسارع نحو تقليل الاعتماد على النقد واستبداله بوسائل الدفع الرقمية مثل البطاقات البنكية والمحافظ الإلكترونية عبر الهواتف، تكشف النمسا عن مسار مختلف قائم على التمسك القوي بالنقد كجزء أساسي من الحياة اليومية، حيث تُظهر أحدث دراسة لوسائل الدفع لعام 2025 أن الغالبية الساحقة من السكان لا تزال ترى في الكاش وسيلة لا يمكن الاستغناء عنها، ليس فقط من باب العادة، بل كخيار واعٍ يرتبط بعوامل الأمان والخصوصية والسيطرة على الإنفاق.
الرقم الأكثر وضوحًا في هذه الدراسة يتمثل في أن 94 في المئة من الأشخاص الذين شملهم الاستطلاع أكدوا أنهم لا يريدون التخلي عن الدفع النقدي في المستقبل، وهو رقم مرتفع جدًا يعكس موقفًا شبه جماعي، ويعني عمليًا أن أي محاولة لإلغاء أو تقليص دور النقد بشكل جذري في النمسا ستواجه رفضًا واسعًا من المجتمع، لأن الأمر لا يتعلق فقط بطريقة دفع، بل بثقافة مالية متجذرة.
ورغم هذا التمسك، لا يمكن القول إن النمسا بعيدة عن التحول الرقمي، بل الواقع يظهر حالة توازن دقيقة، حيث لا يزال النقد يمثل أكثر من نصف جميع عمليات الدفع داخل المتاجر، أي أن كل عمليتين من أصل ثلاث تقريبًا تتم باستخدام الكاش، وهو ما يجعله الوسيلة الأكثر استخدامًا من حيث عدد العمليات، وليس فقط خيارًا ثانويًا كما هو الحال في بعض الدول الأخرى.
أما من ناحية القيمة المالية، فيبقى النقد أيضًا لاعبًا رئيسيًا، حيث يمثل نحو 45 في المئة من إجمالي حجم المبيعات، وهو رقم مهم لأنه يوضح أن الكاش لا يستخدم فقط في المشتريات الصغيرة، بل يشارك أيضًا بشكل فعلي في حركة الأموال داخل الاقتصاد، ما يعزز مكانته كوسيلة دفع مركزية وليست هامشية.
في المقابل، يظهر التغيير بشكل تدريجي في سلوك المستخدمين، خصوصًا مع انتشار الدفع عبر البطاقات والهواتف، حيث بدأت هذه الوسائل تُستخدم بشكل أكبر حتى في المشتريات الصغيرة، وهي فئة كانت تقليديًا تعتمد بالكامل تقريبًا على النقد، وهذا التحول يعكس سهولة استخدام التقنيات الجديدة وسرعتها، لكنه لم يصل إلى مرحلة استبدال الكاش، بل أضاف خيارًا جديدًا إلى جانب الخيار التقليدي.
العوامل التي تدفع الناس للتمسك بالنقد واضحة ومباشرة، حيث يرى كثيرون أن الدفع النقدي يمنحهم تحكمًا أكبر في مصاريفهم اليومية، لأنهم يرون المال بشكل ملموس عند الدفع، كما أنه لا يترك أي أثر رقمي يمكن تتبعه، وهو ما يمنح إحساسًا أعلى بالخصوصية مقارنة بالدفع الإلكتروني الذي يعتمد على أنظمة تسجيل ومعالجة بيانات.
حتى بين فئة الشباب، التي تُعتبر الأكثر انفتاحًا على التكنولوجيا، لا يزال النقد حاضرًا، حيث يستخدمون البطاقات والدفع عبر الهاتف بشكل متكرر، لكنهم لم يتخلوا عن الكاش بالكامل، بل يعتمدون على مزيج من الوسيلتين حسب الموقف، ما يؤكد أن التحول ليس استبدالًا كاملًا، بل إعادة توزيع للاستخدام بين الأدوات المختلفة.
جانب آخر مهم في هذا النقاش يتعلق بالبنية التحتية للدفع الرقمي، حيث يعتمد جزء كبير من هذه العمليات على شركات غير أوروبية، وهو ما يطرح تساؤلات حول الاستقلالية الرقمية، ولهذا يتم العمل على تطوير اليورو الرقمي كبديل أوروبي يمكن الاعتماد عليه، بهدف تقليل هذا الاعتماد وضمان وجود نظام دفع مستقل داخل الاتحاد الأوروبي.
في المحصلة، لا تشير هذه الأرقام إلى تراجع النقد في النمسا، بل إلى استقراره إلى جانب تطور الدفع الرقمي، حيث يتشكل نظام مزدوج يعتمد على حرية الاختيار بين الكاش والوسائل الإلكترونية، وهو نموذج يعكس خصوصية السوق النمساوية التي تجمع بين الحداثة التكنولوجية والتمسك بالعادات المالية التقليدية في آن واحد.
النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد.



