النمسا الآن الإخبارية – النمسا
تكشف نتائج الربع الأول من العام عن مفارقة مالية لافتة داخل مجموعة Raiffeisen Bank International، حيث سجلت المجموعة تراجعًا واضحًا في أرباحها الأساسية، بينما واصل فرعها في روسيا تحقيق أرباح تفوق ما تحققه بقية عمليات البنك مجتمعة، في مشهد يعكس تعقيدات المرحلة التي تمر بها البنوك الأوروبية بين قوة النشاط المصرفي التقليدي من جهة وضغوط البيئة الجيوسياسية من جهة أخرى، إذ بلغ صافي أرباح المجموعة من دون احتساب روسيا نحو 209 ملايين يورو فقط، وهو انخفاض يقارب الخمس مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وجاء أقل بكثير من توقعات السوق، في حين حقق الفرع الروسي وحده أرباحًا بلغت 261 مليون يورو، رغم تسجيله هو الآخر تراجعًا سنويًا.
هذا التباين الحاد في الأداء يسلط الضوء على اختلال داخلي في بنية أرباح البنك، خصوصًا أن النشاط في روسيا كان قد تم تقليصه بشكل كبير منذ بداية الحرب، حيث انخفضت القروض والودائع بشكل ملحوظ، ومع ذلك بقيت الربحية مرتفعة بشكل لافت، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى بيئة أسعار الفائدة المرتفعة داخل روسيا، إضافة إلى الرسوم المرتفعة المرتبطة بخدمات المدفوعات الدولية، وهي ميزة استفاد منها الفرع الروسي بشكل خاص في ظل استبعاد العديد من البنوك الروسية من نظام التحويلات المالية الدولي Swift، ما خلق مساحة شبه احتكارية عززت من أرباح RBI في هذا السوق.
وبحسب ما أوردته صحيفة دير ستاندرد، فإن هذه الوضعية تضع إدارة البنك أمام معادلة معقدة، إذ يتزايد الضغط السياسي والرقابي، خصوصًا من البنك المركزي الأوروبي، لدفع RBI نحو تقليص وجودها في روسيا بشكل أكبر أو حتى الانسحاب الكامل، وهو مسار يدعمه أيضًا الرئيس التنفيذي المعيّن Michael Höllerer، إلا أن تنفيذ هذا التوجه يظل مرتبطًا بموافقة السلطات الروسية، ما يحد من قدرة البنك على اتخاذ قرارات حاسمة، ويؤدي في الوقت ذاته إلى تراكم أرباح داخل روسيا لا يمكن تحويلها أو توزيعها، ما يخلق عبئًا ماليًا واستراتيجيًا إضافيًا على المجموعة.
في المقابل، أظهرت Bank Austria، التابعة لمجموعة UniCredit، أداءً أكثر استقرارًا، حيث ارتفع صافي أرباحها بشكل طفيف ليصل إلى 361 مليون يورو خلال الربع الأول، مدعومًا بزيادة الإيرادات من الفوائد والعمولات، إلى جانب نمو معتدل في حجم القروض، كما ساهمت إجراءات خفض التكاليف في تحسين الكفاءة التشغيلية، إضافة إلى تراجع مخصصات المخاطر نتيجة إعادة تقييم بعض القروض، ما يعكس مسارًا تدريجيًا نحو التحسن دون قفزات كبيرة أو تقلبات حادة.
أما على مستوى المجموعة الأم UniCredit، فقد سجلت نتائج قوية للغاية، حيث بلغ صافي أرباحها 3.2 مليار يورو، وهو مستوى قياسي تجاوز توقعات المحللين، مدفوعًا بأداء قوي في الأعمال الأساسية، واستراتيجية واضحة تركز على الكفاءة وتعزيز رأس المال والنمو الانتقائي، كما تتجه الأنظار إلى خطط توسع محتملة في السوق الألمانية، حيث يتم التحضير لتقديم عرض استحواذ على Commerzbank، في خطوة قد تعزز من حضور المجموعة في أحد أهم الأسواق الأوروبية.
إلى جانب نتائج الأعمال، برز ملف الأجور في القطاع المصرفي النمساوي، حيث تم التوصل بعد مفاوضات مطولة ومعقدة إلى اتفاق جديد حول عقد العمل الجماعي لنحو 68 ألف موظف في القطاع، في وقت يظهر فيه القطاع المالي وضعًا قويًا مقارنة بقطاعات أخرى تعاني من ضغوط، إذ حقق القطاع المصرفي في النمسا خلال العام الماضي أرباحًا بلغت 11.8 مليار يورو، وهو ثاني أعلى مستوى في تاريخه.
الاتفاق الجديد ينص على زيادة الحد الأدنى للأجور بنسبة 3 في المئة، إضافة إلى مبلغ ثابت قدره 5 يورو، إلى جانب تحسينات مالية وتنظيمية أخرى، كما تشمل الزيادات دخل المتدربين والمخصصات العائلية بنسبة 3.13 في المئة، مع إدخال تعديلات على قوانين العمل تهدف إلى تحسين التوازن بين الحياة المهنية والخاصة، وهو ما اعتبرته نقابة GPA نتيجة لتسوية صعبة لكنها قابلة للاستمرار، حيث أشار كبير المفاوضين Wolfgang Pischinger إلى أن التوصل إلى الاتفاق جاء بدعم واسع من العاملين داخل المؤسسات المصرفية.
في المجمل، تعكس هذه التطورات صورة متباينة للقطاع المصرفي، حيث تتقاطع الأرباح القوية مع تحديات جيوسياسية معقدة، وتبرز في الوقت ذاته مفارقات داخلية حادة، خصوصًا في حالة Raiffeisen Bank International، التي تجد نفسها بين ضغوط الانسحاب من سوق مربحة ومخاطر البقاء فيها، ما يجعل المرحلة المقبلة حاسمة في تحديد مسارها الاستراتيجي.
النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد.



