أخبار النمسا

حين تتحوّل ذاكرة الحصار إلى حكمة ماء

بقلم: د. تمام كيلاني

في الحي الثامن عشر من فيينا، حيث الأحياء الهادئة والقصور القديمة والأشجار التي تبدو كأنها تحفظ أسرار القرون، تمتد حديقة Türkenschanzpark بوصفها أكثر من مجرد مساحة خضراء.
إنها نصٌّ تاريخي مفتوح، ومرآة فلسفية للعلاقة المعقّدة بين الحرب والذاكرة، بين الإنسان والطبيعة، وبين العطش والماء.

هذه الحديقة التي يتنزّه فيها الناس اليوم تحت ظلال الأشجار الوادعة، قامت فوق أرض كانت ذات يوم جزءًا من متاريس الحصار العثماني الثاني لفيينا سنة 1683.
ومن هنا جاء اسمها:
“Türkenschanze” أي “التحصين التركي” أو “الخندق التركي”.

لكن الزمن، ذلك النحّات الصامت، أعاد تشكيل المكان.
فما كان يومًا جبهة حرب، صار حديقة سلام.
وما كان رمزًا للخوف، أصبح فضاءً للتأمل والجمال.

لقد تأسست الحديقة رسميًا في أواخر القرن التاسع عشر، وافتُتحت سنة 1888 في عهد الإمبراطور Franz Joseph I، لتتحول مع السنوات إلى واحدة من أجمل حدائق فيينا وأكثرها شاعرية.
غير أن القيمة الحقيقية لهذا المكان لا تكمن في أشجاره وحدها، بل في المعنى الكامن تحت ترابه.

فهنا تتجاور طبقات التاريخ كما تتجاور جذور الأشجار في الأعماق:
حصار تركي،، إمبراطورية أوروبية، حروب، مصالحة، ثم إنسان معاصر يبحث فقط عن مقعد هادئ يسمع فيه خرير الماء.

ولعل أكثر ما يدهش الزائر هو ذلك النصب الذي يحمل الآية القرآنية:

﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾

مكتوبة بلغات متعددة، كأنها رسالة موجّهة إلى البشرية كلها، لا إلى أمة واحدة.

هنا تتجلّى المفارقة العظيمة:
في مكان ارتبط تاريخيًا بالسيوف والمدافع، تنتصب اليوم اية قرآنيه و حكمة تتحدث عن الماء… لا عن الدم.

وكأن التاريخ نفسه يعتذر.

هذه الآية ليست مجرد نص ديني فحسب ، بل إعلان كوني عن جوهر الوجود.
فالماء ليس عنصرًا طبيعيًا فقط، بل هو المعنى الأول للحياة.

كل شيء يبدأ بالماء:
الخلية الأولى، البذرة الأولى، دمعة الطفل الأولى، وحتى الحضارات الكبرى لم تولد إلا قرب الأنهار.

وحين يقول الله عز وجل :

“وجعلنا من الماء كل شيء حي”

فإنه لا يقدّم وصفًا علميًا فحسب، بل يضع الإنسان أمام حقيقة وجودية عميقة:
أن الحياة ليست امتلاك القوة، بل القدرة على منح الحياة.

الماء لا يحمل سيفًا، لكنه ينتصر على الصخر.
لا يصرخ، لكنه يشق الجبال.
لا يملك جيشًا، ومع ذلك لا تستطيع حضارة أن تعيش بدونه.

لهذا يبدو وجود هذه الآية في Türkenschanzpark حدثًا رمزيًا بالغ العمق.

فالحديقة التي وُلد اسمها من ذاكرة الحصار، أصبحت تحتفي بالماء، أي بما يناقض الحصار تمامًا.
الحصار يغلق، والماء يفتح.
الحرب تقطع، والماء يصل.
السلاح يصنع الخوف، أما الماء فيصنع الحياة.

وربما لهذا السبب يشعر المرء في تلك الحديقة أن التاريخ ليس قدرًا ثابتًا، بل كائن يمكن تهذيبه بالجمال.

إن أجمل ما في الحضارة ليس انتصار شعب على آخر، بل قدرة الإنسان على تحويل أماكن الألم إلى فضاءات للسلام.
وهذا ما فعلته فيينا هنا.

لقد سمحت للطبيعة أن تنتصر على الذاكرة الدموية،
وللماء أن يتكلم أخيرًا بدل المدافع.

وحين يسير الزائر بين أشجار الحديقة، ويسمع خرير النوافير، ويرى تلك الآية القرآنية تتلألأ بلغات العالم، يدرك أن البشرية — رغم حروبها الطويلة — ما تزال تملك فرصة للخلاص.

طالما بقي الماء يجري…
يبقى في الإنسان شيء يستحق الحياة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من Austria Now News النمسا الان الاخبارية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading