النمسا الآن الإخبارية – فيينا
تواصل فيينا تأكيد موقعها الدولي كنموذج ناجح في توفير السكن الميسور، إذ تعتمد المدينة منذ عقود على منظومة واسعة من الإسكان البلدي والمشاريع المدعومة ونظام تنظيمي واضح يهدف إلى ضمان بقاء السكن في متناول مختلف شرائح المجتمع. وتبرز هذه المنظومة اليوم كعامل أساسي في حماية السلم الاجتماعي، في ظل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة في العديد من المدن الأوروبية.
وتشير المناقشات الحديثة إلى أن السكن الميسور بات أكثر أهمية من أي وقت مضى. وتؤكد نائبة رئيس بلدية فيينا، كاترين غال، أن السكن “حق أساسي يجب أن يكون آمنًا ومتاحًا وبجودة عالية”. وتوضح أن ثلثي سكان المدينة يعيشون في مساكن بلدية أو مشاريع مدعومة، ما يعزز مبدأ الدمج الاجتماعي، إذ لا يمكن معرفة مستوى الدخل من عنوان السكن، وهو ما تعتبره ركيزة للاستقرار الاجتماعي. وتستمر المدينة في توزيع المشاريع المدعومة على مختلف المناطق، بما في ذلك مواقع التطوير الكبرى والمناطق الحضرية الداخلية، إضافة إلى اعتماد عقود إيجار غير محددة المدة، وتوفير مساكن بلدية دون دفعات أولية، ما يمثل شبكة أمان مهمة للعديد من السكان.
وفي ما يتعلق بدور المنظمات غير الربحية، يشدد ميشائيل غيباور، رئيس اتحاد جمعيات البناء غير الربحية، على أن توفير السكن الميسور يتطلب قبل كل شيء “أراضي بأسعار معقولة”، مشيرًا إلى أن فيينا تحقق ذلك عبر صندوق الأراضي ونظام واضح لمنح حقوق التطوير، بينما تفتقر بعض الولايات الأخرى لمثل هذا التنظيم. ويؤكد أن جودة المشاريع المدعومة تخضع لمعايير صارمة تشمل الجوانب المعمارية والبيئية والاجتماعية، وأن هذه الجمعيات تبني اليوم دون الاعتماد على مصادر طاقة أحفورية، بهدف ضبط تكاليف المعيشة. ويرى غيباور أن النموذج النمساوي بات يجذب اهتمامًا دوليًا واسعًا، وأن ما يعرف بـ”نموذج فيينا” تتم دراسته حتى في الولايات المتحدة.
أما مشروع السكن المؤقت “Mein Wie-Apartment”، فتوضح مديرته كلوديا نيكفاسيل-كيلنهوفر أنه يقدم حلولًا سريعة ومرنة للأشخاص الذين يمرون بمرحلة انتقالية، مثل حالات الانفصال أو التدريب المهني أو العاملين في قطاعات أساسية مثل الرعاية الصحية والأمن. وتقول إن هذه الشقق المفروشة بالكامل توفر خيارًا فريدًا يجمع بين السكن الدائم والسكن قصير الأمد، ويسد فجوة يعاني منها كثيرون.
وفي جانب آخر، يشير جوزيف موتشيتش، رئيس نقابة عمال قطاع البناء والخشب، إلى أن الوضع الاقتصادي في قطاع البناء يشكل بدوره عنصرًا مؤثرًا في الاستقرار الاجتماعي. ويرى أن توجيه الاستثمارات العامة نحو الشركات المحلية التي تسهم في خلق الوظائف ودفع الضرائب أمر ضروري لتعزيز الأمن الاقتصادي والاجتماعي، خاصة في أوقات الأزمات.
وفي ختام النقاش، يؤكد غيباور أهمية الإبقاء على تخصيص أموال دعم السكن لمجال الإسكان فقط، وعدم تحويلها إلى مجالات أخرى، مشددًا على ضرورة توفير أدوات تمويل إضافية لضمان استمرارية المشاريع بعيدًا عن تقلبات الأسواق. وتبرز كذلك أهمية الابتكار التقني والمعايير البيئية والاقتصاد الدائري في تشكيل مستقبل السكن الميسور.
وتظهر هذه المعطيات مجتمعة أن السكن الميسور ليس عنصرًا منفصلًا، بل منظومة مترابطة تشمل سياسات الأراضي، والدعم الاجتماعي، واستقرار القطاعات الاقتصادية، والأطر الحكومية الواضحة. وتقدم فيينا دليلًا عمليًا على أن الاستقرار الاجتماعي في المدن يرتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرة السكان على الحصول على سكن مناسب ومتاح.
النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد.



