النمسا الآن الإخبارية – النمسا
في وقت تتجه فيه أنظار العالم نحو أزمات الشرق الأوسط، لا تزال الحرب الروسية في أوكرانيا مستمرة دون توقف، ولكن بطبيعة مختلفة تمامًا عما كانت عليه في بداياتها، حيث كشف الضابط النمساوي Oberst Markus Reisner، وهو مدير معهد تدريب الضباط في الأكاديمية العسكرية Theresianische Militärakademie في Wiener Neustadt، عن صورة ميدانية صادمة تعكس تحول الحرب إلى نمط غير مسبوق من القتال، وذلك وفقًا لما نقلته وكالة الأنباء النمساوية APA.
وأوضح Reisner أن الجبهة الأوكرانية وصلت إلى حالة جمود عسكري شبه كامل، حيث لم يعد هناك تقدم حقيقي لأي من الطرفين، وهو ما يصب نظريًا في مصلحة القوات المدافعة التي يمكنها البقاء في مواقعها، إلا أن هذا الجمود لا يعني هدوءًا، بل على العكس تمامًا، إذ أصبحت الجبهة واحدة من أخطر البيئات القتالية في العالم بسبب الانتشار الكثيف للطائرات المسيرة، التي جعلت من المستحيل تقريبًا تحرك أي عنصر دون أن يتم رصده واستهدافه فورًا.
وبيّن الضابط النمساوي أن هذا الواقع ينطبق على الجانبين، إلا أن التأثير يبدو أشد على القوات الروسية التي تحاول التقدم، حيث لم تعد العمليات العسكرية تعتمد على هجمات واسعة النطاق كما في السابق، بل تحولت إلى تحركات صغيرة جدًا تنفذها مجموعات محدودة من الجنود، وغالبًا ما تواجه هذه المجموعات الموت قبل الوصول إلى أهدافها بسبب الألغام أو الهجمات الدقيقة بالطائرات المسيرة، في مشهد يعكس تحولًا كاملًا في طبيعة الحرب الحديثة.
كما أشار Reisner إلى أن ساحة المعركة لم تعد تعتمد على خطوط جبهة تقليدية أو خنادق واسعة كما كان الحال في الحروب السابقة، بل أصبحت تتكون من نقاط صغيرة جدًا موزعة على امتداد الأرض، تضم كل نقطة جنديين أو ثلاثة فقط، سواء داخل مخابئ ترابية في المناطق المفتوحة أو في أقبية المباني المدمرة داخل القرى، بينما يتم مراقبة المساحات الفاصلة بينها بشكل شبه كامل بواسطة الطائرات المسيرة من كلا الجانبين، ما يخلق منطقة موت قد يصل عرضها إلى 40 كيلومترًا.
وفي هذا السياق، أوضح أن القوات الروسية تضطر للتقدم عبر هذه المناطق الخطرة ضمن مجموعات صغيرة، حيث يلقى العديد من الجنود حتفهم أثناء محاولات العبور، سواء بسبب الألغام الأرضية أو أثناء تعثرهم في الأسلاك الشائكة أو نتيجة استهدافهم المباشر بالطائرات المسيرة، ومع ذلك يتمكن بعضهم أحيانًا من الوصول إلى مواقع معينة، حيث يتحصنون فيها بانتظار وصول تعزيزات، في حين تعمل الطائرات الروسية بدورها على محاولة كشف مواقع القوات الأوكرانية واستهدافها.
من جهة أخرى، أشار Reisner إلى أن القوات الأوكرانية لا تكتفي بالدفاع عن مواقعها، بل تحاول أيضًا استهداف القوات الروسية حتى قبل بدء تحركها، ما يحول القتال إلى ما وصفه بـ “لعبة القط والفأر” المستمرة على طول الجبهة، حيث يسعى كل طرف إلى كشف الآخر وضربه قبل أن يتمكن من تنفيذ أي خطوة ميدانية، وهو ما يزيد من تعقيد العمليات العسكرية ويجعل أي تقدم حقيقي أمرًا بالغ الصعوبة.
وختم الضابط النمساوي توصيفه للمشهد بالقول إن ما يحدث على الجبهة لا يمكن تخيله بسهولة، حيث أصبحت العمليات القتالية بطيئة للغاية لكنها شديدة الدموية، مع خسائر بشرية كبيرة من الطرفين، مؤكدًا أن الجنود يُدفعون إلى مواجهات شبه مؤكدة الموت، في حين لا تستطيع القوات الأوكرانية استعادة الأراضي بسهولة بسبب المخاطر الهائلة المرتبطة بالخروج من مواقعها، ما يجعل الحرب مستمرة في حالة استنزاف قاسية دون أفق واضح لنهايتها.
النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد.



