الاقتصاد والعمل

إيجارات فيينا تتجاوز 20 يورو للمتر وأزمة السكن تتفاقم رغم خطط البلدية

النمسا الآن الإخبارية – فيينا

تشهد سوق الإيجارات في العاصمة النمساوية فيينا تطورًا مقلقًا مع تسجيل مستويات قياسية جديدة خلال عام 2026، حيث أصبحت تكلفة السكن تمثل عبئًا متزايدًا على السكان، في وقت تحاول فيه السلطات المحلية التدخل من خلال خطط وتنظيمات جديدة تهدف إلى إعادة التوازن إلى السوق، وذلك وفق ما أكدته وكالة الأنباء النمساوية APA ضمن عرضها لأحدث المعطيات والتطورات في هذا الملف.

الأرقام الحالية تعكس واقعًا مختلفًا تمامًا عن الصورة التقليدية لفيينا كمدينة توفر سكنًا ميسرًا، حيث تشير البيانات إلى أن أسعار الإيجارات تجاوزت حاجز 20 يورو للمتر المربع، وهو مستوى لم يكن متصورًا قبل سنوات قليلة فقط، كما سجلت الأسعار زيادة تصل إلى 12 بالمئة مقارنة بالعام السابق، ما يؤكد استمرار الاتجاه التصاعدي دون توقف.

في هذا السياق، تتولى Nina Hanel-Torsch مسؤولية ملف الإسكان في فيينا، حيث طرحت هدفًا واضحًا يتمثل في خفض العبء المالي على السكان بحيث لا تتجاوز تكاليف السكن 25 بالمئة من صافي الدخل، وهو هدف يعكس توجهًا اجتماعيًا يسعى إلى حماية الفئات المتوسطة والضعيفة، إلا أن هذا الطرح يواجه تشكيكًا واسعًا من قبل خبراء السوق الذين يرون أن المشكلة أعمق من مجرد تحديد سقف للأسعار.

الانتقادات تركز بشكل خاص على أن التدخلات التنظيمية مثل تحديد الأسعار قد تؤدي إلى نتائج عكسية، حيث يشير خبراء إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في نقص المعروض من الشقق السكنية، وليس فقط في مستوى الأسعار، وهو ما يجعل أي محاولة للحد من الأسعار دون زيادة العرض غير كافية لحل الأزمة.

تحليل صادر عن Agenda Austria يسلط الضوء على ما يُعرف بمشكلة “الداخلين والخارجين”، حيث يستفيد المستأجرون الحاليون الذين يمتلكون عقودًا قديمة من أسعار منخفضة نسبيًا، في حين يجد القادمون الجدد أو الباحثون عن سكن أنفسهم أمام سوق شبه مغلق وأسعار مرتفعة جدًا، ما يخلق فجوة واضحة بين الفئات داخل نفس السوق.

هذه الظاهرة أدت إلى حالة من الجمود في سوق الإيجارات، حيث لا يرغب المستأجرون الذين يدفعون أسعارًا منخفضة في مغادرة شققهم، ما يقلل من حركة السوق ويحد من توفر الوحدات السكنية، وهو ما يفاقم الأزمة بشكل مستمر ويزيد من صعوبة العثور على سكن مناسب، خاصة للعائلات الشابة أو الوافدين الجدد.

الخبير الاقتصادي Jan Kluge أشار إلى أن السياسات الحالية أدت إلى ما وصفه بـ”تجميد السوق”، موضحًا أن القيود المفروضة على الأسعار جعلت من غير المجدي اقتصاديًا تطوير مشاريع سكنية في بعض الفئات، وهو ما يفسر التوجه نحو بناء شقق فاخرة بدلًا من الإسكان المتوسط أو الميسر، لأن هذه القطاعات أصبحت أقل تضررًا من القيود التنظيمية.

من جهة أخرى، تشير توقعات RE/MAX إلى أن الأسعار ستستمر في الارتفاع خلال عام 2026، وإن بوتيرة أبطأ نسبيًا، حيث يُتوقع أن تصل الزيادة إلى نحو 4.6 بالمئة في العقود الجديدة، وهو ما يعني أن السوق قد يشهد نوعًا من الاستقرار النسبي، لكنه سيبقى عند مستويات مرتفعة جدًا.

الخبير العقاري Bernhard Reikersdorfer أوضح أن هذا “الاستقرار النسبي” لا يعني تحسن الوضع، بل يعكس فقط تباطؤ الارتفاع بعد سنوات من القفزات الكبيرة، مشددًا على أن المشكلة الأساسية لا تزال قائمة، وهي نقص البناء الجديد، حيث أدى تراجع مشاريع البناء إلى تقليل العرض بشكل كبير، ما يضمن استمرار الضغط على الأسعار في المستقبل.

في سياق المقارنات الدولية، أشار بعض الخبراء إلى نموذج مدينة طوكيو في Tokyo، حيث يعتمد السوق بشكل أكبر على التفاهم المباشر بين المستأجرين والمالكين، ضمن إطار قانوني أكثر مرونة، ما يسمح بحلول فردية بدل الصراعات القانونية المعقدة، وهو ما يختلف بشكل كبير عن الوضع في فيينا، حيث أصبح السوق أشبه بساحة صراع قانوني بين الأطراف المختلفة.

بشكل عام، تعكس هذه التطورات تحولًا كبيرًا في سوق الإسكان في فيينا، حيث لم تعد المدينة المثال التقليدي للسكن الميسر، بل أصبحت تواجه تحديات حقيقية تتطلب حلولًا معقدة تتجاوز مجرد التدخلات التنظيمية، خاصة في ظل استمرار الضغط السكاني وتراجع البناء الجديد.

النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من Austria Now News النمسا الان الاخبارية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading