النمسا الآن الإخبارية – سوريا
يتصاعد في أوروبا نقاش سياسي واجتماعي واسع حول مستقبل اللاجئين السوريين، خصوصًا مع تزايد الدعوات إلى إعادتهم إلى بلادهم بعد سقوط حكم بشار الأسد، لكن الصورة التي تنقلها الوقائع من داخل سوريا تبدو أكثر تعقيدًا بكثير من أي شعار سياسي أو قرار إداري سريع، إذ يعيش السوريون اليوم بين احتمالات متناقضة؛ فمنهم من عاد ويحاول بناء حياة جديدة وسط الدمار، ومنهم من لا يزال يرى أن العودة غير ممكنة بسبب الخوف والفقر وانعدام الاستقرار، ومنهم من نجح في أوروبا لكنه لا يزال عالقًا نفسيًا بين بلدين. وفي تقرير ميداني نشرته صحيفة دير شتاندارد من دمشق، تظهر سوريا كبلد لا يمكن وصفه بسهولة بأنه آمن بالكامل أو منهار بالكامل، بل كبلد يعيش مرحلة انتقالية صعبة، تختلط فيها محاولات إعادة الحياة بمشاهد الخراب، وتتصادم فيها الرغبة بالعودة مع قسوة الواقع اليومي.
وتبدأ خلفية هذا النقاش من أوروبا، حيث يدفع المستشار الألماني Friedrich Merz باتجاه مغادرة ما يصل إلى 80 بالمئة من اللاجئين السوريين ألمانيا خلال السنوات الثلاث المقبلة، معتبرًا أن سوريا أصبحت آمنة بما يكفي للعودة. وفي السياق نفسه، دعا Jens Spahn، رئيس كتلة CDU/CSU في البرلمان الألماني، السوريين المقيمين في ألمانيا إلى ما وصفه بالواجب الوطني في إعادة بناء بلدهم، مستحضرًا مثال ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، حين شارك الأجداد والجدات في إعادة إعمار البلاد من تحت الركام. هذه المقارنة تكشف حجم الضغط السياسي المتزايد على السوريين في أوروبا، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالًا حساسًا: هل يمكن مطالبة إنسان بالعودة إلى بلد ما زال يعاني من الدمار، والذخائر غير المنفجرة، وانهيار الاقتصاد، وتشتت العائلات، فقط لأن الحرب الكبرى انتهت أو لأن النظام السياسي تغيّر؟
وفي النمسا أيضًا، أصبح هذا النقاش أكثر حضورًا، إذ تشير بيانات وزارة الداخلية إلى أن أكثر من 1100 مواطن سوري عادوا طوعًا إلى سوريا منذ سقوط بشار الأسد، ويحصل من يختار العودة على دعم مالي يصل إلى 1000 يورو للفرد، و3000 يورو كحد أقصى للعائلة. وتبرر الوزارة هذا التوجه بأن العودة الطوعية هي الخيار الأقل كلفة للدولة النمساوية مقارنة بأي شكل من أشكال الإبعاد القسري، كما توضح أن عام 2025 شهد ترحيل 120 سوريًا من النمسا، بينما بلغ عدد المرحلين في عام 2026 حتى الآن 11 شخصًا. لكن الوزارة نفسها تصف الوضع في سوريا بأنه ديناميكي ومليء بالتناقضات، وهذه العبارة وحدها تكشف أن الملف لا يمكن التعامل معه وكأن البلاد عادت إلى وضع طبيعي كامل.
ومن بين القصص التي يعرضها التقرير قصة Mohamad Alaa Alasas، وهو سوري عاش ثلاث سنوات في النمسا متنقلًا بين فيينا وكلاغنفورت ثم فيينا مرة أخرى، لكنه لم يكن يحمل سوى الحماية الفرعية، ما منعه من لمّ شمل عائلته وإحضارها إلى النمسا. قصة محمد لا تبدأ من لحظة العودة فقط، بل من عام 2012، حين أصيب برصاصة في ساقه خلال احتجاج طلابي ضد نظام الأسد، وبقيت ركبته متضررة بشكل دائم. وفي النمسا، تم الاعتراف لديه بنسبة إعاقة بلغت 30 بالمئة، ما جعل كثيرًا من الأعمال صعبة عليه، لكنه رغم ذلك حاول الاستمرار، فعمل في توصيل الطلبات، وحصل على رخصة قيادة، وكان هدفه الأساسي أن يتمكن في النهاية من جمع عائلته معه.
لكن سقوط الأسد وما تبعه من وقف لمّ الشمل مثّل بالنسبة لمحمد نقطة تحول قاسية، إذ شعر أن الطريق الذي كان ينتظره في أوروبا أُغلق فجأة، ولم يعد قادرًا على تحمل البقاء بعيدًا عن أسرته. لذلك قال عبارته اللافتة: “كنت أريد أن يرحلوني”، ليس لأنه كان يريد العقوبة أو الإبعاد بمعناه القسري، بل لأنه أراد العودة بأسرع ما يمكن لرؤية عائلته. وفي 31 ديسمبر 2024 عاد إلى سوريا، حيث استقبلته عائلته، وأعدت له والدته طعامه المفضل، لكنه عاد أيضًا إلى حقيقة أن والده توفي خلال سنوات غيابه. هذه التفاصيل تجعل العودة ليست مشهدًا بسيطًا من الفرح، بل مزيجًا من اللقاء والفقدان، من الحنين والخسارة، ومن الراحة النفسية والألم المتراكم.
اليوم يعيش محمد في شقته بدمشق، ويجلس على أريكته بينما يُسمع ضجيج ورش البناء في الخارج، ويقدم أبناؤه الشاي والحلويات. وهو يعتبر نفسه محظوظًا لأن شقته نجت من 13 عامًا من الحرب، في وقت يعاني فيه كثيرون من فقدان منازلهم أو ارتفاع الإيجارات بسبب ندرة السكن في دمشق. ويقول إن الحياة في النمسا كانت أسهل من حيث الدعم والخدمات، لكنه يضيف أن الحياة الأسهل ليست بالضرورة الحياة الأفضل. عودته، كما يوضح، لم تكن بدافع وطني أو سياسي، بل بدافع الشوق إلى عائلته. ولهذا يقول إن من يريد أن يكون مع عائلته فليعد، ومن يريد البقاء في النمسا فليبق هناك، في تعبير واضح عن أن التجربة السورية لا يمكن تعميمها على الجميع.
ويحاول محمد اليوم بناء مصدر رزق جديد داخل سوريا، إذ يدير محلًا صغيرًا يبيع فيه الغاز والبنزين، كما يعمل في قطعة أرض على أطراف المدينة، يربي فيها طيور السمان ويبيع بيضها، ويزرع أمام منزله المتضرر أعشابًا وخضروات لعائلته. هذه الصورة تجمع بين هشاشة الوضع وقوة التمسك بالحياة، فالرجل الذي عاش في أوروبا وعمل فيها، عاد إلى بيئة أقل استقرارًا وأكثر صعوبة، لكنه وجد فيها شيئًا لم يحصل عليه في النمسا: القرب من عائلته. وهنا تظهر إحدى أهم نقاط التقرير، وهي أن قرار العودة لا يُقاس فقط بمستوى الدخل أو الخدمات، بل أيضًا بالعلاقات العائلية والارتباط العاطفي والشعور بالانتماء.
لكن إعادة بناء سوريا لا تواجه فقط مشكلة المال أو السكن، بل تواجه خطرًا يوميًا قاتلًا يتمثل في الذخائر غير المنفجرة. فلا توجد أرقام دقيقة، لكن تقديرات وزارة الأمن السورية تشير إلى أن أشخاصًا يموتون يوميًا بسبب متفجرات لم تنفجر خلال الحرب، وكثير من الضحايا أطفال يلعبون في مناطق الركام دون أن يعرفوا أن القذائف والذخائر التي يلمسونها قد تكون قاتلة. ورغم وجود حملات توعية، خصوصًا في المدارس، فإن هذه الحملات لا تصل إلى الجميع، ما يجعل العودة إلى بعض المناطق ليست فقط عودة إلى منزل مهدّم، بل عودة إلى أرض قد تكون مزروعة بالموت.
وفي حي Jobar، وهو أحد الأحياء المدمرة بشدة على أطراف دمشق، تعمل منظمات مثل الصليب الأحمر والهلال الأحمر والخوذ البيضاء وHalo Trust على جعل المنطقة آمنة تدريجيًا. يتم استخدام الجرافات لفتح الطرق وإزالة الركام، بينما يقوم عناصر الحماية بتمشيط الأرض بأجهزة الكشف، وتقسيم الحي إلى مربعات يتم فحصها واحدًا تلو الآخر. هذه العملية لا تعني أن الحي أصبح آمنًا دفعة واحدة، بل تعني أن مساحات صغيرة فقط تصبح قابلة للمشي والسكن تدريجيًا، بينما تبقى المناطق المحيطة بها خطرة. وهنا يصبح معنى إعادة الإعمار بطيئًا ومخيفًا، لأن الطريق إلى المنزل نفسه يحتاج أحيانًا إلى عملية تأمين دقيقة.
وسط هذا المشهد يعيش Salih Idris في شقته التي أعاد بناءها داخل هيكل مبنى نصف مدمر. من شرفته يرى الجرافات تتحرك وسط الركام، ويرى فرق البحث تمشط الأرض بحثًا عن المتفجرات، لكنه داخل شقته صنع عالمًا مختلفًا تمامًا؛ أثاث مرتب، إضاءة جدران وسقف، سجاد، وتفاصيل منزلية لا توحي بأن الخارج عبارة عن شوارع مهدمة ومبانٍ خاوية. قبل الحرب كان يعيش في هذا الحي أكثر من 300 ألف شخص، أما اليوم فلا يملك إدريس جيرانًا تقريبًا. هو نفسه فرّ من المنطقة خلال الحرب لكنه بقي داخل سوريا، ثم عاد بعد سنوات ليعيد بناء حياته في المكان ذاته.
وكان إدريس يعمل قبل الحرب في قطاع البناء، ويقول إنه كان يمتلك مستودعًا بقيمة تقارب مليوني دولار. اليوم لم يعد يتحدث عن الثروة بالطريقة نفسها، بل عن صورة في غرفة الجلوس تجمعه بزوجته وابنته في حفل تخرجها الجامعي، وعن شرفته التي أصبحت مكانه المفضل. ومن هناك ينظر إلى الدمار لا بوصفه نهاية الحياة، بل بوصفه جزءًا من وطنه الذي يريد البقاء فيه. بالنسبة له، رؤية الناس يعملون على تنظيف الحي وإزالة الخطر تمنحه نوعًا من الثقة، رغم أنه يعرف أن إعادة الإعمار ستحتاج إلى سنوات طويلة. هذه القصة تكشف أن بعض العائدين لا يعيشون في إنكار للدمار، بل يتعايشون معه باعتباره واقعًا يجب تغييره ببطء.
أما في مخيم Yarmouk الفلسطيني جنوب دمشق، فتبدو الصورة أكثر قسوة. هذا الحي كان لسنوات من أبرز ساحات الحرب السورية، وتحول إلى رمز للحصار والتجويع والقصف. بين عامي 2012 و2018 كان الحي محاصرًا إلى حد كبير، وقطعت عنه في فترات طويلة إمدادات الطعام والماء والدواء، وكان نحو 18 ألف شخص عالقين داخله، ومات كثيرون بسبب الجوع والمرض. وفي عام 2015 سيطر تنظيم الدولة الإسلامية على أجزاء من المنطقة، ثم دمرت الغارات الجوية والبراميل المتفجرة أجزاء واسعة من الحي. وحتى اليوم لم يعد إلا عدد قليل من السكان، بينما ما زالت هياكل المباني تنهار، وما زالت شوارع كاملة غارقة في الركام.
في هذا المكان يعيش Hussein، الرجل البالغ من العمر 59 عامًا، والذي يعيد منذ عامين بناء الشقة التي ولد فيها هو وإخوته. لديه ابنان وابنة، وقد توفيت زوجته، ويكسب رزقه من أعمال دهان متقطعة، لكن العمل الجسدي أصبح شاقًا عليه مع تقدمه في العمر. وعندما لا يعمل خارج المنزل، يقضي وقته في إصلاح الجدران، وترميم البلاط، ومحاولة جعل الغرف صالحة للسكن. يفعل ذلك بأبسط الأدوات، وقد اضطر إلى إغلاق بعض النوافذ بالطوب لأنه لا يملك المال لتركيب نوافذ جديدة. في كل زاوية من منزله يظهر الفقر ونقص الإمكانات، لكن بقاء بعض البلاط الأصلي في الأرض يمنحه دافعًا للاستمرار، لأنه يذكره بأن هذا المكان كان يومًا بيتًا كاملًا لا مجرد بقايا منزل.
ويقول حسين عبارة قاسية تختصر إحساسه بالواقع: “هل ترى الكلاب في الشارع؟ هكذا نعيش”. هذه العبارة ليست مجرد مبالغة عاطفية، بل وصف لشعور إنسان يرى أن الحياة حوله فقدت الحد الأدنى من الكرامة المادية. ومع ذلك، هو ممتن لأن منزله ما زال قائمًا، بعكس بيوت جيرانه التي انهارت أو لم تعد قابلة للإصلاح. ينظر حسين بإيجابية نسبية إلى سوريا الجديدة، لكنه يقول في الوقت نفسه إن إعادة الإعمار لا يمكن أن تنجح دون دعم دولي، خاصة بالنسبة إلى الفلسطينيين الذين يعيشون ظروفًا أكثر هشاشة، ولا يملكون موارد كافية للنهوض وحدهم من هذا الخراب.
وفي الوقت الذي يجد فيه سكان Yarmouk صعوبة في الحصول على دعم مادي لإعادة البناء، تجري على المستوى الأوروبي محاولة قانونية لمحاسبة بعض المتهمين بجرائم ارتُكبت في الحي، حيث بدأت منذ نهاية عام 2025 أمام المحكمة الإقليمية العليا في Koblenz محاكمة عدة أشخاص يشتبه بانتمائهم إلى ميليشيا موالية للنظام السابق، إضافة إلى موظف سابق في جهاز استخبارات. وتوجه إليهم اتهامات تتعلق بالقتل والتعذيب والمشاركة في قمع احتجاجات في Yarmouk. وتقوم هذه المحاكمة على مبدأ الولاية القضائية العالمية، وهو بالنسبة إلى كثير من الضحايا أحد المسارات القليلة المتاحة لتحقيق أي شكل من أشكال العدالة.
لكن سوريا الجديدة لا تعني بالنسبة إلى الجميع الأمل نفسه. فداخل المجتمع المسيحي، تظهر حالة واضحة من التحفظ والخوف عند الحديث في السياسة. في دير سيدة Saidnaya، الواقع على بعد نحو ساعة بالسيارة شمال دمشق، رفضت الراهبات الحديث مع دير شتاندارد، وأوضحن أن السياسة لا تُناقش داخل جدران الدير. وحتى خارج الدير، بدت مجموعة من الزوار مترددة في الإجابة عن أسئلة تتعلق بوضع المسيحيين في ظل الحكومة الجديدة. هذا التردد ليس تفصيلًا بسيطًا، بل يعكس شعورًا بالخوف من المستقبل ومن احتمال التعرض للضغط أو الانتقام، خصوصًا أن بعض أعضاء الحكومة الانتقالية الحالية كانوا في سنوات سابقة من الإسلاميين المتشددين.
ومن بين من وافقوا على الحديث William Al Khuri، وهو مهندس متقاعد منذ 20 عامًا، كان يعمل سابقًا في مجال المرور وإشارات السير، ويؤدي اليوم دور مختار في Saidnaya، أي ما يشبه رئيسًا محليًا شرفيًا أو تطوعيًا. ويقول إن المدينة ذات غالبية مسيحية، لكن فيها أيضًا مسلمون، وإن التعايش بينهم جيد عمومًا. ويرى أن المسيحيين حصلوا بعد سقوط نظام الأسد على مساحة أكبر من الحرية، لكنه لا ينكر استمرار الخوف. فهو يقول بوضوح إن لديه مخاوف، وإن الأشخاص من حوله يشعرون بالمخاوف نفسها، لكنه يشدد على أن خوفه ليس من المسلمين كمسلمين، بل من الإسلام المتطرف ومن جماعات مثل تنظيم الدولة الإسلامية.
ويطالب Al Khuri بحماية أقوى من الدولة وقوانين أكثر وضوحًا، خصوصًا في ما يتعلق بحيازة السلاح، بسبب تكرار تقارير عن الخطف والعنف. ويشرح أن الحرب غيرت Saidnaya بعمق، وأن نحو 95 بالمئة من العائلات المسيحية التي غادرت فعلت ذلك أثناء المعارك، بينما غادرت نسبة أخرى لاحقًا بسبب الخوف من المستقبل. كما يقول إن نسبة المسيحيين في سوريا تراجعت من نحو 10 إلى 13 بالمئة سابقًا إلى حوالى 5 بالمئة اليوم. ورغم ذلك، لم يفكر هو نفسه في الفرار، لأنه يملك متجره ومنزله وأرضه وكل ما لديه في سوريا. لكنه يعيش في بلد تفرقت فيه العائلات، فأقاربه موجودون في ألمانيا ويحملون جنسيتها، وهو يريد زيارتهم، لكن الحصول على تأشيرة لألمانيا بالنسبة إلى السوريين يكاد يكون مستحيلًا، خصوصًا أن جواز السفر السوري من بين الأضعف عالميًا، ولا يسبقه في الضعف إلا جواز العراق وفق التقرير.
وتتزامن هذه القيود الخارجية مع نقاش داخلي في سوريا حول شكل المجتمع الجديد. ففي دمشق، اتخذت السلطات مؤخرًا إجراءات واسعة للحد من بيع الكحول، بحيث لا تعود الحانات والمطاعم قادرة على تقديمه، وقد يصبح متاحًا في أماكن محدودة، غالبًا في أحياء ذات غالبية مسيحية. وفي عهد الأسد، كان بيع الكحول منظمًا لكنه مقبول عمليًا في الحياة اليومية، ضمن نمط مدينة أراد النظام السابق أن يظهرها بمظهر علماني. أما الآن، فلا يزال غير واضح مدى تطبيق القواعد الجديدة بصرامة، لكن منتقدين يرون فيها أكثر من مجرد إجراء أخلاقي، ويخشون أن تؤدي إلى رسم حدود اجتماعية ودينية أوضح بين الناس، بحيث يصبح توفر الكحول في الأحياء المسيحية إشارة إلى فصل اجتماعي متزايد لا إلى مجرد تنظيم تجاري.
ورغم كل هذه المخاوف، يقول Al Khuri إنه يأمل في سوريا موحدة، لا تتقسم إلى مناطق للسنة والعلويين والشيعة والأكراد، بل تبقى دولة واحدة. وهو يطالب بقانون للحرية والمساواة لا يبقى مكتوبًا على الورق فقط، بل يطبق في الحياة اليومية. وهذه العبارة تكثف خوف الأقليات وبعض السوريين عمومًا من أن تكون المرحلة الجديدة مجرد تغيير في السلطة، لا تغييرًا في طريقة الحكم أو في حماية الحقوق.
وفي فيينا، تظهر زاوية أخرى من القصة من خلال Syleiman، وهو سوري يبلغ اليوم 35 عامًا ويعيش في النمسا منذ عام 2014. التقت به الصحيفة في Café Anno، حيث طلب بيرة وتحدث بلهجة تجمع بين العربية والفييناوية عن رحلته إلى أوروبا عبر قارب مطاطي، وهي رحلة يقول إنه لا يزال يحمل صدمة نفسية منها حتى اليوم، لدرجة أنه لا يستطيع السباحة. في سوريا كان يدرس الهندسة المدنية، لكنه في النمسا بدأ مسارًا مختلفًا، فأكمل دورة أساسية في العمل مع الشباب لدى WienXtra، وعمل لسنوات في المجال الاجتماعي، وخلال تدريبه عمل أيضًا كعامل صندوق في محطة وقود، وهي مهنة لم يكن يتخيل يومًا أنه سيعمل بها.
ولم يكن سليمان منعزلًا في حياته الجديدة، بل أسس جمعية باسم Kik، وهي اختصار لفكرة تجمع الفن والاندماج والثقافة ولعبة كرة الطاولة، حيث كان الأجانب والنمساويون يلتقون للعب وتعلم الألمانية والتبادل الثقافي. المشروع لم يعد قائمًا اليوم، لكنه لا يزال يلتقي بأصدقائه للعب. وقد تعرف إلى هذه اللعبة في مركز اللاجئين، بعد أن دخل في اكتئاب عقب وفاة ابن عمه وأطفاله في الحرب. نصحته معالجته النفسية آنذاك بممارسة نشاط يساعده على الخروج من دوامة التفكير، فتحولت لعبة كرة الطاولة إلى مرساة نفسية بالنسبة إليه، إذ يقول إنه عندما يلعب يكون عقله مركزًا فقط على الكرة، ويستطيع إيقاف التفكير المؤلم مؤقتًا.
لكن ما يؤلمه في النمسا اليوم هو طريقة الحديث عن السوريين. يتحدث عن عنصرية يومية، عن رجل مسن شتمه بكلمة مهينة، وعن نساء كبيرات في السن يوقفنه في مداخل بنايات أصدقائه ويسألنه ماذا يفعل هناك، وعن النظرات القاسية التي يشعر بها عندما يتحدث بالعربية في الشارع. ويقول إن تعامل النمساويين مع السوريين تدهور للأسف. في البداية لم يكن يفهم كل ما يقال حوله، لكنه اليوم يفهم اللهجات، وبالتالي أصبح يفهم التعليقات الجارحة أيضًا. وحتى حصوله على جواز السفر النمساوي لم يغير هذه التجربة، لأن النظرة الأولى في الشارع لا ترى الجواز، بل ترى الملامح واللغة.
ومع ذلك، لا يقدم سليمان صورة سوداء بالكامل عن النمسا. فهو يؤكد أنه تلقى في بداية وجوده دعمًا كبيرًا من أشخاص ساعدوه على تعلم اللغة وفهم الثقافة والعثور على عمل، وكان ذلك سببًا في رغبته برد الجميل للنمسا. لكنه في الوقت نفسه ينتقد التعميم ضد السوريين، ويقول إن هناك بالفعل سوريين لا يريدون الاندماج أو يخالفون القوانين، لكن لا يجوز وضع الجميع في السلة نفسها. ويرفض أيضًا التقسيم السهل بين “المندمجين الجيدين” الذين يستحقون البقاء وغيرهم، لأن هذا التقسيم يتجاهل أن كثيرين يحملون صدمات نفسية عميقة تمنعهم من التقدم بالسرعة المطلوبة.
ويضرب سليمان مثالًا بصديق وصل إلى النمسا في الفترة نفسها التي وصل فيها، لكنه لا يزال يتحدث الألمانية في مستوى A1، ليس لأنه لا يريد التعلم، بل لأن حالته النفسية محطمة. فقد قُتل طفلاه في الحرب، ومنذ ذلك الوقت يعيش مع هذا الجرح. يقول سليمان إن هذا الرجل استسلم في مرحلة ما، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع العودة إلى سوريا، لأن البلد نفسه سيعيد فتح الصدمة ويزيدها. لذلك يطالب بأن تؤخذ هذه الوقائع بعين الاعتبار قبل الحكم على السوريين جماعيًا، ويقول إن التعاطف وحده لا يكفي، لأن من لم يعش القصة لا يحق له أن يتحدث عنها بخفة.
وبعد سقوط النظام في سوريا، سافر سليمان، الذي أصبح اليوم مواطنًا نمساويًا، مباشرة إلى بلده. التقى أصدقاء وأقارب، وزار قريته المدمرة التي لم يبق فيها منزل قائم. وهو يتمنى مستقبلًا أن يعيش بين البلدين، نصف سنة في النمسا ونصف سنة في سوريا، لكن هذا غير ممكن حاليًا لأن الوضع في سوريا لا يزال غير مستقر، ولأنه يحتاج إلى مال أكثر لتنفيذ هذا التصور. ورغم كل ما مر به في النمسا من تجارب صعبة، يقول بوضوح إن النمسا أيضًا وطنه. هذه العبارة تلخص مأزق كثير من السوريين الذين لم يعودوا قادرين على تعريف الوطن بوصفه مكانًا واحدًا فقط.
وفي نهاية الصورة، يبقى الواقع الإنساني العام ثقيلًا. فبحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، كان أكثر من 6.5 ملايين شخص لا يزالون نازحين داخل سوريا في عام 2025، بينما بلغ عدد من هُجروا من منازلهم إجمالًا نحو 12.4 مليون شخص، ومعظمهم لا يزالون داخل البلاد. وهذا يعني أن السؤال عن عودة اللاجئين من أوروبا لا يمكن فصله عن حقيقة أن ملايين السوريين داخل سوريا نفسها لا يملكون بيوتًا مستقرة أو ظروفًا طبيعية. السكن نادر أو غير موجود في مناطق كثيرة، والاقتصاد يعاني من ضغط شديد، والدعم الحكومي يتراجع، والبلاد مثقلة بالديون، ومساحات زراعية واسعة لا تزال مهملة أو غير قابلة للاستثمار، فيما تُستورد المواد الغذائية بكلفة عالية، حتى أصبحت السلع الأساسية عبئًا ماليًا على كثير من العائلات.
لذلك، لا يقدم التقرير جوابًا بسيطًا عن سؤال العودة. هناك من عاد لأنه يريد عائلته، وهناك من بقي لأنه يخاف من المستقبل، وهناك من يعيش في سوريا داخل منزل مرمم وسط الركام، وهناك من يعيش في أوروبا بجواز نمساوي لكنه يشعر أن النظرات في الشارع لا تزال تضعه في خانة الغريب. وبين السياسة الأوروبية التي تتحدث عن الترحيل، والواقع السوري الذي يتحدث عن الركام والفقر والخوف ومحاولات البناء، تصبح العودة مسألة لا يمكن قياسها بالأرقام وحدها. إنها قرار إنساني عميق، يتأثر بالأمان، والعائلة، والمال، والهوية، والذاكرة، والكرامة، والقدرة على احتمال بلد لم ينتهِ وجعه بعد.
النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد.



