النمسا الآن الإخبارية – النمسا
كشفت تحقيقات صحفية موسعة نشرتها صحيفة Der Standard بالتعاون مع برنامج “Report” التابع لهيئة الإذاعة النمساوية عن معطيات حساسة وخطيرة تتعلق بآليات الأمن داخل البرلمان النمساوي، حيث أظهرت هذه التحقيقات أن عددًا من الموظفين العاملين لدى نواب حزب الحرية النمساوي يظهرون ضمن دائرة مراقبة جهاز حماية الدستور. هذه النتائج لا تتعلق بحالة فردية أو واقعة محدودة، بل تشير إلى وجود مجموعة من الأشخاص الذين يتحركون بشكل يومي داخل البرلمان ويتمتعون بصلاحيات دخول واسعة، رغم ارتباطاتهم أو شبهاتهم الأمنية، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول طبيعة الرقابة داخل المؤسسة التشريعية، وذلك بحسب ما كشفته صحيفة Der Standard.
وتوضح التحقيقات أن عدد هؤلاء الموظفين يتراوح بين عشرة وعشرين شخصًا يعملون كمساعدين برلمانيين لدى نواب من حزب الحرية، وهؤلاء يظهرون في تقارير جهاز حماية الدستور بسبب علاقات أو قرب فكري وتنظيمي من حركة Identitäre Bewegung، وهي حركة تُصنّف من قبل الأجهزة الأمنية ضمن التيارات المرتبطة بما يسمى “اليمين الجديد”، والتي تسعى، وفق تقارير رسمية، إلى تقويض النظام الديمقراطي القائم واستبداله بنماذج أخرى ذات طابع أيديولوجي متطرف.
المشكلة الأساسية التي يسلط عليها التحقيق الضوء لا تتعلق فقط بهوية هؤلاء الأشخاص، بل بطبيعة النظام الداخلي للبرلمان نفسه، حيث يتمتع المساعدون البرلمانيون، المعروفون باسم “Pamis”، بحقوق دخول دائمة إلى مباني البرلمان دون الخضوع لأي تفتيش أمني للأشخاص أو الأمتعة. هذا الامتياز لا يُمنح لفئات أخرى داخل المؤسسة، مثل موظفي الإدارة أو العاملين مع شركات خارجية، الذين يُطلب منهم الخضوع لإجراءات تدقيق أمني دقيقة تشمل استبيانات مفصلة حول حياتهم الشخصية وعلاقاتهم وسجلهم السابق.
وفي المقابل، فإن المساعدين البرلمانيين لا يخضعون لهذه الإجراءات إطلاقًا، رغم أنهم قادرون على الوصول إلى مكاتب النواب، والمشاركة في أنشطة برلمانية، بل وحتى التواجد في لجان أو اجتماعات قد تتضمن معلومات حساسة. هذا التناقض بين مستوى الوصول وانعدام التدقيق يطرح إشكالية أمنية واضحة، خاصة عندما يتعلق الأمر بأشخاص لديهم ارتباطات أو نشاطات سابقة مع حركات مصنفة أمنيًا.
ويكشف التحقيق أيضًا عن تفاصيل دقيقة تتعلق ببعض الشخصيات التي تعمل داخل البرلمان، حيث يرد اسم شخص يُعرف باسم Fabian R.، والذي كان منذ عام 2012 ناشطًا ضمن الهياكل التنظيمية المرتبطة بالحركة، ولا يزال حتى اليوم يدير نشاطًا اقتصاديًا مع شخص آخر يُدعى Philipp H. داخل فيينا. هذا الشخص يعمل حاليًا كمساعد برلماني لدى النائب Sebastian Schwaighofer، ما يعني أنه يمارس عمله داخل البرلمان رغم خلفيته السابقة المرتبطة بالحركة.
كما يسلط التحقيق الضوء على حالة Andreas Hinteregger، الذي يعمل كمساعد للنائب Maximilian Weinzierl، والذي ارتبط اسمه بنشاطات تنظيمية، من بينها دوره في تنظيم ظهور شخصية يمينية متطرفة هي Götz Kubitschek في جامعة فيينا، وهو الحدث الذي انتهى بعنف عندما اعتدى أحد المشاركين على شخص آخر باستخدام زجاجة، ما أدى لاحقًا إلى إدانة قانونية في ألمانيا.
ومن بين الأسماء الأخرى التي يوردها التحقيق، Silvio Hemmelmayer، وهو رئيس منظمة شبابية في النمسا العليا، والذي شارك في فعاليات للحركة، وظهر كمتحدث في مظاهرة نُظمت في فيينا عام 2023، كما حضر فعاليات في مواقع مرتبطة بهذه الأوساط. ورغم ذلك، لا يزال قادرًا على العمل كمساعد برلماني.
كما يذكر التحقيق اسم Julian K.، الذي كان من المؤسسين الأوائل للحركة في عام 2012، وشغل منصب نائب رئيسها في بداياتها، ويعمل منذ سنوات داخل البرلمان، إلى جانب نشاطه الإعلامي المرتبط بوسائل ومنصات توصف بأنها ضمن هذا التيار.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل يشمل أيضًا شخصًا يُدعى Gernot Schmidt، والذي ارتبط اسمه بعدة حوادث، من بينها توزيع مواد ذات طابع عنصري في وسائل النقل العامة، والمشاركة في اقتحام مؤسسة دينية في Linz، إضافة إلى ظهوره في فعاليات ذات طابع أيديولوجي واضح، بل وحتى حضوره في مناسبات تم خلالها ترديد أناشيد تعود إلى حقبة نازية.
وفي المقابل، أثارت هذه المعطيات ردود فعل سياسية متباينة، حيث دعا مسؤولون إلى تشديد الإجراءات الأمنية داخل البرلمان. فقد أكد المسؤول الحكومي Jörg Leichtfried أن إخضاع المساعدين البرلمانيين لفحوصات أمنية أمر منطقي، خاصة أولئك الذين لديهم إمكانية الوصول إلى معلومات حساسة. كما شدد على ضرورة حماية المؤسسات الديمقراطية من أي اختراق محتمل.
كما أبدى النائب Andreas Hanger موقفًا مشابهًا، حيث أكد أن العمل داخل البرلمان يتطلب مستوى عاليًا من المسؤولية، وأنه لا يمكن التساهل مع أي ارتباطات متطرفة داخل هذه المؤسسات.
في المقابل، هناك من يرى أن فرض قيود إضافية قد يمس بحرية النواب في اختيار موظفيهم، حيث اعتبر السياسي Andreas Mölzer أن من حق النائب أن يختار من يراه مناسبًا للعمل معه دون تدخل.
ويُظهر التحقيق أيضًا مقارنة مع أنظمة أخرى، مثل ألمانيا وبريطانيا، حيث يخضع العاملون في البرلمانات هناك لإجراءات تدقيق أمني صارمة، خاصة إذا كانوا على تماس مع معلومات سرية، وهو ما يعزز المطالب بضرورة تحديث النظام المعمول به في النمسا.
وفي المحصلة، لا تكشف هذه القضية فقط عن أسماء أو حالات فردية، بل تفتح نقاشًا واسعًا حول أمن المؤسسات، وحدود الحرية السياسية، وآليات حماية النظام الديمقراطي من أي اختراقات محتملة، خاصة عندما يتعلق الأمر بأشخاص يعملون داخل قلب العملية السياسية.
النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد.



