النمسا الآن الإخبارية – النمسا
تدخل النمسا سباقًا مع الوقت قبل انتهاء مهلة أوروبية حاسمة في 7 مايو لتنفيذ توجيه جديد يهدف إلى حماية وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية من ما يُعرف بدعاوى الترهيب، إلا أن الواقع السياسي الداخلي يكشف تأخرًا واضحًا، إذ لم تتمكن الحكومة حتى الآن من الاتفاق على مشروع قانون أساسًا، ما يعني عمليًا استحالة دخول التشريع حيز التنفيذ ضمن المهلة المحددة، مع توقعات بامتداد التأخير لأشهر إضافية، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من تداعيات هذا الفراغ القانوني على حرية التعبير والعمل الصحفي في البلاد.
القضية تتعلق بما يُعرف بدعاوى Slapp، وهي دعاوى قانونية تُرفع غالبًا من قبل شركات كبرى أو شخصيات سياسية ضد صحفيين أو منظمات، ليس بهدف الفوز بالقضية بقدر ما هو استنزاف الطرف الآخر ماليًا وقانونيًا ومنعه من نشر تقارير نقدية، حيث تكون هذه الدعاوى في جوهرها ضعيفة قانونيًا لكنها فعالة في خلق ضغط كبير على المدعى عليهم، وهو ما دفع مؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى الاتفاق في عام 2024 على توجيه يلزم الدول الأعضاء بوضع آليات حماية واضحة، تشمل تمكين المحاكم من رفض هذه الدعاوى في مراحل مبكرة وفرض عقوبات على الجهات التي تستخدمها بشكل تعسفي.
غير أن جوهر الخلاف داخل النمسا يتمحور حول نقطة أساسية وحساسة تتعلق بنطاق تطبيق الحماية، إذ تدعم كل من SPÖ وNeos توسيع القانون ليشمل القضايا الداخلية داخل النمسا وليس فقط القضايا العابرة للحدود بين دول الاتحاد الأوروبي، بينما ترفض ÖVP هذا التوسع، مستندة إلى أن الاتحاد الأوروبي يفرض الحد الأدنى فقط على القضايا العابرة للحدود، ما يفتح الباب أمام خلاف سياسي عميق حول ما إذا كان ينبغي للنمسا الذهاب أبعد من الحد الأدنى الأوروبي أم الاكتفاء به.
وبحسب ما نقلته صحيفة دير ستاندرد، فإن هذا الخلاف لا يقف عند حدود النطاق الجغرافي فقط، بل يمتد إلى تفاصيل أخرى معقدة، مثل طبيعة العقوبات التي يجب فرضها على الجهات التي تقدم هذه الدعاوى، وحجم تلك العقوبات، إضافة إلى النقاش حول التعريف الدقيق لما يُعتبر دعوى ترهيب، وكذلك تحديد الفئات التي يشملها القانون، حيث يُطرح سؤال جوهري حول ما إذا كان يجب أن تقتصر الحماية على وسائل الإعلام التقليدية والمنظمات غير الحكومية، أم تشمل أيضًا الأفراد مثل المدونين وصنّاع المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي.
في السياق ذاته، تصاعدت الأصوات من داخل الأوساط الإعلامية والقانونية للمطالبة بتسريع تنفيذ التوجيه الأوروبي بشكل فعّال وشامل، حيث دعا Walter Strobl من Presseclub Concordia وUrsula Bittner من Greenpeace إلى معالجة التأخير بشكل عاجل، مؤكدين أن الوضع الحالي يهدد بيئة حرية التعبير، كما أشار الكوميدي Florian Scheuba إلى تجربته الشخصية مع هذه الدعاوى، واصفًا الوضع بأنه تطور مقلق وخطير.
من جهتها، سلطت المحامية المختصة بالإعلام Maria Windhager الضوء على ثغرة قانونية مهمة، إذ أوضحت أن التوجيه الأوروبي يقتصر فقط على القضايا المدنية ولا يشمل القضايا الجنائية الخاصة، ما يترك بابًا مفتوحًا لممارسة الضغط على حرية التعبير من خلال أدوات قانونية أخرى، وهو ما اعتبرته فجوة خطيرة يجب معالجتها ضمن التشريع الوطني، مؤكدة ضرورة شمول القضايا الداخلية ضمن نطاق الحماية.
إلى جانب ذلك، يحذر خبراء قانونيون من إشكالية دستورية محتملة في حال تم تطبيق القانون فقط على القضايا العابرة للحدود دون القضايا الداخلية، إذ قد يؤدي ذلك إلى معاملة غير متساوية بين الأفراد، بحيث يحصل من تتم مقاضاتهم من قبل شركات أجنبية على حماية أكبر مقارنة بمن تتم مقاضاتهم من قبل شركات نمساوية، وهو وضع قد يُطعن فيه دستوريًا بسبب انتهاكه لمبدأ المساواة أمام القانون.
في المحصلة، يكشف هذا الملف عن أزمة سياسية وقانونية مركبة داخل النمسا، حيث يتقاطع الالتزام الأوروبي مع الحسابات الحزبية الداخلية، في وقت يتزايد فيه الضغط من المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية لإقرار قانون شامل وفعّال يضمن حماية حقيقية لحرية التعبير، سواء في القضايا الدولية أو المحلية، المدنية أو الجنائية، دون ترك ثغرات يمكن استغلالها لإسكات النقد.
النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد.



