مقال رأي د. زياد الخطيب
أثار البيان الأخير الصادر عن الجامعة البهائية العالمية حالة من القلق العميق إزاء ما يواجهه المجتمع البهائي في قطر، حيث أصبح أكثر من 40 في المئة من أفراده معرّضين لخطر التهجير القسري الوشيك، في ظل إجراءات شملت عدم تجديد تصاريح العمل، والضغوط الحياتية المتزايدة، والإجبار على مغادرة البلاد.
والأمر في جوهره لا يتعلق فقط بوثائق إقامة أو معاملات إدارية، بل بمصير عائلات كاملة، وبشعور جماعة دينية مسالمة بأن قدرتها على الاستمرار والحفاظ على تماسكها أصبحت موضع تهديد.

فالمجتمع البهائي معروف عالميًا بتمسكه بجملة من المبادئ التي تضع الإنسان وكرامته في المركز: الإيمان بوحدة الجنس البشري، والمساواة بين المرأة والرجل، ونبذ التعصب، والالتزام بالتعليم، وخدمة المجتمع، واحترام القانون، والعمل من أجل بناء التعايش والانسجام بين مختلف مكونات المجتمع.
هذه المبادئ ليست شعارات نظرية بالنسبة للبهائيين، بل هي أسس يومية في نظرتهم للحياة.
فالبهائي يُربّى على أن يرى في كل إنسان شريكًا في الإنسانية، لا خصمًا بسبب الاختلاف؛ وأن يعتبر خدمة المجتمع مسؤولية روحية؛ وأن يسعى إلى بناء علاقات تقوم على الثقة والصدق والتعاون.
ومن هذا المنطلق، فإن ما يمر به البهائيون في قطر يبعث على الحزن، لأن جماعة عُرفت بسلميتها وابتعادها عن النزاعات تجد نفسها اليوم أمام حالة من عدم اليقين تمس استقرارها الأسري والمعيشي.
ويشير بيان الجامعة البهائية العالمية إلى أن الأسابيع الأخيرة شهدت تصعيدًا مقلقًا طال ما يقارب نصف البهائيين المتبقين في البلاد، وشمل الاحتجاز غير القانوني، والتهديد، والترهيب، والإخطارات بعدم تجديد تصاريح العمل، الأمر الذي يضع عددًا كبيرًا من الأسر أمام احتمال التشتت أو فقدان مصادر رزقها. كما أن عددًا من المؤسسات والشركات العائلية التي بُنيت على مدى سنوات بات مهددًا بالإغلاق نتيجة هذه التطورات.
إن التأمل في هذه الوقائع يقود إلى سؤال إنساني بسيط لكنه عميق:
ما الذي تحتاجه أي جماعة دينية أو اجتماعية كي تشعر بالأمان؟
إنها لا تحتاج فقط إلى مساحة جغرافية للعيش، بل إلى شعور بأن وجودها محترم، وأن اختلافها لا يتحول إلى سبب للهشاشة أو القلق.
وفي التعاليم البهائية، يُنظر إلى التنوع الإنساني بوصفه عنصرًا من عناصر جمال العالم وغناه، لا سببًا للانقسام. كما تؤكد هذه التعاليم أن ازدهار المجتمعات يتحقق حين تُصان كرامة كل فرد، وحين تُفتح أمام الجميع إمكانات الإسهام الإيجابي في خدمة أوطانهم.
لذلك، فإن القلق الذي عبّرت عنه الجامعة البهائية العالمية لا ينطلق من رغبة في المواجهة، بل من مناشدة هادئة للعدالة والإنصاف، ومن أمل في أن تُتاح لهذا المجتمع فرصة الاستمرار في حياته الطبيعية دون خوف أو ضغوط تدفعه إلى التلاشي التدريجي.
فالتهجير القسري لا يعني انتقال أفراد من مكان إلى آخر فحسب، بل قد يعني فقدان شبكات الأسرة، وتعطّل التعليم، وانقطاع مصادر الرزق، وتآكل الشعور بالانتماء. وحين يقع هذا على جماعة صغيرة مسالمة، يصبح الأثر النفسي والمعنوي مضاعفًا.
إن العالم اليوم، في أمسّ الحاجة إلى أمثلة تعزز الثقة بين مكوناته المختلفة، لا إلى تطورات تزيد من شعور الأقليات بالهشاشة.
والمجتمعات التي تمنح جميع أبنائها — مهما اختلفت معتقداتهم — فرصة العيش الكريم والمشاركة الآمنة، هي المجتمعات الأقدر على بناء الاستقرار الحقيقي.
من هنا، تبدو الدعوة التي حملها البيان دعوة إلى الحفاظ على النسيج الإنساني قبل أي شيء آخر: وقف الضغوط التي تؤدي إلى التهجير، وتجديد الوثائق والتصاريح، وصون حق هذا المجتمع في أن يعيش بكرامة وأمان، وأن يواصل إسهامه الهادئ في خدمة المجتمع الذي ينتمي إليه.
يبقى الأمل أن تسود روح العدالة، وأن يُنظر إلى التنوع الديني باعتباره مساحة للتعايش لا مصدرًا للقلق، لأن المجتمعات تنمو حقًا عندما يشعر كل من يعيش فيها أن له مكانًا محفوظًا فيها.
المرجع :
Sudden expulsions raise fears of religious erasure of Qatari Bahá’í community | Bahá’í International Community



