النمسا الآن الإخبارية – دولي
دخلت تركيا والسعودية وباكستان مرحلة جديدة من التعاون العسكري، بعد إبرام اتفاق دفاعي مشترك يتضمن بندًا يعتبر الهجوم المسلح على أي واحدة من الدول الثلاث هجومًا على الجميع، في خطوة وُصفت إعلاميًا بأنها أقرب إلى إنشاء «ناتو» جديد في المنطقة.
وبحسب تقرير صحيفة «Heute» النمساوية، جرى توقيع «اتفاق مكة للدفاع المشترك» يوم الجمعة في مدينة مكة المكرمة السعودية، بحضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف.
ويأتي الاتفاق في توقيت شديد الحساسية بالنسبة للمنطقة، وسط الحرب الدائرة مع إيران والتوترات الأمنية المتصاعدة في الشرق الأوسط والخليج.
«الهجوم على أحدنا هجوم على الجميع»
أبرز ما يتضمنه الاتفاق الجديد هو مبدأ الدفاع المشترك بين الدول الثلاث.
ففي حال تعرض تركيا أو السعودية أو باكستان لهجوم مسلح، سيتم التعامل مع ذلك باعتباره اعتداءً يمس الدول الثلاث.
وبحسب وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، فإن هذا المبدأ يماثل من الناحية التقنية المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي «الناتو».
والمادة الخامسة هي حجر الأساس في منظومة الدفاع الجماعي للناتو، إذ تعتبر الاعتداء المسلح على أحد الحلفاء اعتداءً على الجميع.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة دخول الدول الثلاث الحرب تلقائيًا وبالطريقة نفسها؛ فبحسب التفاصيل المنشورة، ستجري الدول الأعضاء مشاورات في حال وقوع اعتداء لتحديد طبيعة الدعم الذي سيُقدم.
والهدف المعلن هو تعزيز ما وصف بـ«الردع الجماعي».
هيكل تنظيمي يشبه الناتو
التشابه مع الناتو لا يقتصر على مبدأ الدفاع المشترك.
إذ يتضمن الاتفاق أيضًا إنشاء بنية تنظيمية للتحالف، تشمل لجنة وزارية بالإضافة إلى أمانة عامة خاصة.
ومن المقرر أن يكون مقر الأمانة العامة في المملكة العربية السعودية.
وهذا يعني أن الاتفاق يتجاوز مجرد تفاهم سياسي أو تنسيق عسكري مؤقت، ويتجه، وفق التفاصيل المنشورة، نحو إنشاء مؤسسة دائمة للتعاون الدفاعي بين الدول الثلاث.
مصر قد تصبح العضو الرابع
التحالف قد لا يبقى محصورًا بتركيا والسعودية وباكستان.
فبحسب وزير الخارجية التركي، يسعى الرئيس رجب طيب أردوغان إلى توسيع إطار التحالف مستقبلًا ليشمل دولًا إضافية.
وتبرز مصر باعتبارها واحدة من أبرز الدول المرشحة للانضمام.
لكن انضمام القاهرة، بحسب المعلومات الواردة، لا يزال مرتبطًا بحل عدد من المسائل التقنية المفتوحة.
وفي حال انضمام مصر، فإن التحالف سيجمع أربعًا من أبرز القوى العسكرية والسياسية في العالم الإسلامي.
الاتفاق لم يولد بسبب حرب إيران
ورغم أن توقيع الاتفاق جاء في خضم الحرب مع إيران، فإن المفاوضات بشأنه لم تبدأ مؤخرًا.
وبحسب الجانب التركي، استغرقت المفاوضات التي سبقت توقيع الاتفاق أكثر من عامين ونصف العام.
وهذا يعني أن مشروع التعاون العسكري كان مطروحًا قبل التطورات العسكرية الأخيرة.
لكن مصادر عسكرية سعودية أشارت، بحسب التقرير، إلى أن الأحداث الأخيرة في المنطقة ساهمت في تسريع المشروع بشكل واضح.
هل التحالف موجه ضد إيران؟
تركيا تنفي رسميًا ذلك.
أنقرة تؤكد أن التحالف الجديد لا يستهدف إيران ولا أي دولة أخرى، وإنما يهدف إلى تعزيز الأمن والدفاع الجماعي للدول الأعضاء.
كما رفضت السعودية التكهنات التي تربط الاتفاق بخطط تصعيد عسكري إضافية.
ونقل التقرير عن مسؤول حكومي سعودي قوله إن الاتفاق لا يمثل تهديدًا لدول أخرى ولا يرتبط بـ«أي طموحات نووية».
لكن بعض المحللين ينظرون إلى المسألة بصورة مختلفة.
فقد اعتبر الباحث في العلوم السياسية بجامعة برمنغهام عمر كريم أن التحالف «موجه بوضوح نحو إيران»، وفق ما نقل التقرير.
الحرب مع إيران سرعت الحسابات الأمنية
يأتي إنشاء التحالف في وقت تشهد فيه المنطقة صراعًا عسكريًا واسعًا مع إيران.
وبحسب التقرير، تعرضت أهداف في دول الخليج منذ نهاية فبراير/شباط لهجمات إيرانية متكررة، فيما اتسعت دائرة الصراع أخيرًا لتصل إلى اليمن.
هذه التطورات رفعت مستوى المخاوف الأمنية لدى دول المنطقة، وساهمت في تسريع خطط التعاون الدفاعي التي كانت موجودة أصلًا.
السعودية تعيد حساباتها الأمنية
هناك عامل آخر يقف خلف التقارب العسكري الجديد، يتعلق بعلاقة السعودية بالولايات المتحدة.
فبحسب محللين نقل عنهم التقرير، تتزايد داخل المملكة المخاوف من عدم إمكانية الاعتماد بشكل مطلق على الولايات المتحدة لضمان الأمن السعودي في المستقبل.
ولهذا عززت الرياض خلال الفترة الأخيرة علاقاتها مع قوى إقليمية ودول إسلامية مؤثرة.
وفي هذا السياق، تمثل تركيا وباكستان شريكين عسكريين مهمين للغاية بالنسبة للسعودية.
ماذا تملك الدول الثلاث عسكريًا؟
تركيا عضو أصلًا في حلف شمال الأطلسي، وتمتلك واحدًا من أكبر الجيوش داخل الناتو، إلى جانب صناعة دفاعية شهدت توسعًا كبيرًا خلال السنوات الماضية.
أما السعودية فتملك قدرات مالية وعسكرية كبيرة وموقعًا استراتيجيًا محوريًا في الخليج والشرق الأوسط.
في المقابل، تضيف باكستان إلى المعادلة عنصرًا بالغ الأهمية، فهي دولة تمتلك أسلحة نووية ولديها جيش كبير وخبرة عسكرية واسعة.
كما يشير التقرير إلى عامل جغرافي مهم، وهو أن تركيا وباكستان تقعان على حدود إيران.
هل أصبح لدينا «ناتو إسلامي»؟
ليس بالمعنى الحرفي.
الاتفاق الجديد ليس جزءًا من حلف شمال الأطلسي، ولا يحمل رسميًا اسم «ناتو الشرق الأوسط».
لكن التشبيه يأتي من وجود عنصرين أساسيين يشبهان نموذج الناتو: الدفاع الجماعي والبنية التنظيمية المشتركة.
والعنصر الأكثر أهمية سياسيًا هو التعهد بأن أي هجوم على إحدى الدول الثلاث سيُنظر إليه باعتباره هجومًا عليها جميعًا.
لذلك فإن مدى قوة التحالف الحقيقية سيتوقف على كيفية تطبيق هذا البند عمليًا عند حدوث أزمة، وعلى طبيعة الالتزامات العسكرية التي ستقدمها كل دولة للأخرى.
تحالف قد يعيد رسم التوازنات
الجمع بين السعودية وتركيا وباكستان في منظومة دفاعية واحدة يمثل تطورًا استراتيجيًا مهمًا، خصوصًا في ظل حالة عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة.
كما أن احتمال انضمام مصر ودول أخرى مستقبلًا قد يحول الاتفاق من تحالف ثلاثي إلى كتلة أمنية إقليمية أكبر بكثير.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الدول المؤسسة أن الاتفاق لا يستهدف أي دولة بعينها، فإن توقيته، والحرب مع إيران، وامتلاك باكستان للسلاح النووي، ووجود تركيا داخل الناتو، كلها عوامل تجعل التحالف الجديد محط اهتمام إقليمي ودولي واسع.
«النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد.»




