مقالات الرأياللاجئون والهجرةالجالية العربية

مساكين عرب أوروبا, كنافتهم مثل إعلامهم .. كلاهما “مسخ”

أشرف فارس

لا أحد يتحدث عن عرب أوروبا، إلا حين تُذكر قضايا اللجوء، أو عندما يُعرض مقطع على يوتيوب عن “شاورما في برلين” أو “سيدة صنعت المقلوبة في باريس”. لكن الحقيقة التي لا يقولها أحد — لأنها ببساطة مؤلمة — هي أن عرب أوروبا فئة مظلومة لا على يد السلطات، بل على يد رغيف الخبز والإعلاميين من أبناء جلدتهم.

مساكين حقًا، هؤلاء العرب الذين وجدوا أنفسهم في القارة العجوز، يهاجرون من بلاد كانت تعجّ بالبهارات والإعلاميين الرديئين، ليكتشفوا أنّ الأخيرين تبعوهم إلى هنا، وأن البهارات فقط هي من بقيت في الوطن. تخيّل أن تبدأ صباحك في فيينا أو أوسلو أو ميونيخ برغيف خبز لبناني يشبه المنديل الورقي اليابس، مرسوم عليه آثار حياةٍ كانت. تبحث عن الطراوة فيه، كما يبحث الشاب عن عمل بعد التخرج — عبثًا. وإن خطر ببالك أن تدلّل نفسك بكنافة “تحنّ إلى نابلس”، فاعلم أن ما ينتظرك هو قطعة أشبه بشطيرة جبن مرّ عليها أسبوع، أضيف إليها قليلٌ من شراب السكر لإيهامك بأنك تعيش لحظة سكر روحي.

رجل يجلس أمام ميكروفون في استوديو إذاعي، مبتسم، يرتدي قميصاً أبيض.
أشرف فارس

ولكن، ورغم كل هذا، فالعزاء الحقيقي… لا يأتي. لأنه حين تفتح هاتفك لتشاهد “إعلاميين عرب في أوروبا” يشرحون لك ما يحدث في العالم، تُصاب بما يُشبه الشلل النصفي اللغوي، وتبكي ليس من الألم، بل من الأسى.
المسكين العربي في أوروبا، فوق كل الجفاف الاجتماعي الذي يعيشه يُضطر أن يُنصت إلى من يسمّون أنفسهم صحافيين، وهم لا يزنون على ميزان الصحافة نصفَ فاصلة. أصواتٌ نشاز، لُغاتٌ تتعثّر في جملها، وتقارير تُذكّرنا بخطب الإذاعة المدرسية، ولكن دون الحماس الطفولي. ومع ذلك، لا أحد ينافسهم، لأن لا أحد يريد أن يدخل هذا الحقل الملغوم بالرداءة.

أيها السادة, العربي في المهجر، لا إذاعة تسند أذنه، ولا منصة تنصف عقله، ولا نشرةٌ تُنطق الجملة بلا جناية صرفية أو جريمة لغوية!
فجأة، يُصبح الصحافي — الذي بالكاد يعرف الفرق بين الخبر والمقال — هو الناطق باسم الجالية، والمحلل السياسي، ومرشد الرحلات، وخبير الطقس، ومنظّر المرحلة. ترتدي اللغة ثوب الخيبة، وتتهاوى الكلمات كأنها تترنّح من أثر ضربة بلاغية قاتلة.

هل جرّبت أن تستمع إلى “تقرير صحفي” لأحدهم؟
هي مذبحة لفظية. ألفاظ مُستخرجة من قاع قواميس لم تُفتح منذ النكسة، وأسلوب أقرب إلى الإنشاء المدرسي منه إلى الصحافة. يتحدث عن “أزمة في سوق العمل” وكأنه يشرح عن معركة بدر، ويستخدم كلمة “المواطن” كأنها تُمنح بالتصويت لا بالجنسية.

ومن جهة الشكل؟ فلا صوت يليق بالبث، ولا إيقاع يحترم طبلة الأذن، ولا صورة تُرضي العين. ثم يأتيك بمنشور يحتفل فيه بـ”نجاح اللقاء”، وكأن 23 مشاهدة — نصفها بالخطأ — هي فتح إعلامي يوازي خطبة عبدالناصر في الأزهر.

المشكلة لا تكمن في ضعفهم وحده، بل في انعدام البديل. فالعربي في أوروبا يضطر أن يُنصت، أن يُشاهد، أن يُتابع… لأنه لا يوجد غيرهم. الإعلام أصبح مثل الخبز والكنافة والجيلاتين: لا يُرضي، لكنه الخيار الوحيد.

لقد انقلبت الموازين: في بلادنا كنا نشتكي من تكميم الأفواه، أما هنا فنشتكي من فتح أفواه لا تعرف متى تُغلق.
لا رقابة، لا تدقيق، لا ذوق عام. يكفي أن تشتري ميكروفونًا وتفتح صفحة وتضع أمام اسمك لقب “إعلامي”… حتى تبدأ في بثّ رسائل مكتوبة بنفس أسلوب منشورات مجموعات الواتساب العائلية.

ثم يحدث أن يشاركهم الناس… لا إعجابًا، بل يأسًا. لأن المحتوى العربي في أوروبا هو جزيرة من الرداءة في بحر من الحاجة. يحتاجه الناس لأنهم يريدون أن يفهموا ما يحدث بلغتهم. لكن يا للأسف، اللغة لا تكفي وحدها حين يكون ناقلها مهزومًا أمام أدواته.

والمؤلم؟ أن هؤلاء لا يشعرون بالخجل. على العكس، يمارسون دور “صوت الجالية” كما لو أنهم محمد حسنين هيكل في منفاه الاختياري، يكتبون “بيانًا مهمًا” كل يومين، يُرفقونه بصور ذات إضاءة بائسة وأخطاء نحوية لا تُغتفر حتى لطلبة الصف الرابع.

فما الحل؟ لا ندري.
هل نثور؟ نفتح قنوات منافسة؟ نُعلّق جائزة سنوية لأسوأ أداء صحافي؟ أم نكتفي بالصمت الممزوج بالسخرية؟
ربما يكفينا أن نكتب مقالًا مثل هذا… ونشاركه، ونضحك، ونقول: “اللهم لا شماتة، ولكن كفى عبثًا.”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من Austria Now News النمسا الان الاخبارية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading