النمسا الآن الإخبارية – فيينا
في تطور قضائي يُعدّ سابقة في النمسا، وُجهت رسميًا تهم التعذيب والاعتداءات الجسيمة والاعتداءات الجنسية لواحد من أرفع الضباط السابقين في جهاز استخبارات نظام بشار الأسد، وهو اللواء خالد الحلبي، الذي كان لسنوات مخفيًا عن الأنظار في فيينا بمساعدة عناصر من جهاز الاستخبارات النمساوي المنحل (BVT) بطلب من جهاز الموساد الإسرائيلي، وفقًا لما نشرته صحيفة “دير شتاندر” نقلًا عن وثائق وشهادات متعددة.
تبدأ القصة في يونيو 2015، حين عبرت سيارة دبلوماسية قادمة من فرنسا الحدود النمساوية عند سالزبورغ وهي تقل اللواء السوري خالد الحلبي، الذي كان آنذاك ضابطًا رفيعًا في جهاز أمن الدولة التابع للنظام السوري، وتحديدًا رئيس الفرع 335 في مدينة الرقة بين عامي 2009 و2013. كان الحلبي مسؤولًا مباشرًا عن عمليات تحقيق وتعذيب واسعة النطاق، وثقتها منظمات دولية مثل هيومن رايتس ووتش فور سقوط الرقة بأيدي المعارضة عام 2013.
وبدلًا من التحقيق معه، استقبله عنصران من جهاز BVT النمساوي، ورتّبا له حماية كاملة وإصدار قرار لجوء إيجابي، إضافة إلى إخفائه في شقة سرية في فيينا. وكشفت تقارير لاحقة أن العملية تمت بطلب مباشر من الموساد الإسرائيلي، الذي كان يستخدم الحلبي لسنوات كمصدر استخباراتي داخل سوريا.
عام 2018، فجّر نشر تحقيق من منظمة Commission for International Justice and Accountability الفضيحة بعد استدلالها على مكان الحلبي في فيينا، وتقديمها الأدلة للسلطات النمساوية، ليظهر أن الرجل يعيش في البلاد منذ سنوات رغم الاشتباه القوي بمسؤوليته عن تعذيب وقتل مئات المعتقلين خلال قمع احتجاجات 2011–2013 في الرقة.
بدأت النيابة تحقيقات ضد عدد من ضباط BVT، لكن تمت تبرئتهم عام 2023. أما في قضية الحلبي، فقد أعلنت النيابة العامة في فيينا يوم الأربعاء تقديم أول لائحة اتهام رسمية ضده وضد ضابط آخر يدعى مصعب أبو ركبة، الذي كان ضابطًا في شرطة الرقة ومسؤولًا عن التحقيقات في المعتقلات.
تتضمن الاتهامات التعذيب المنتظم، الاعتداءات الجنسية، الإيذاء الجسيم، وتنفيذ اعتقالات تعسفية بحق مدنيين أثناء قمع المظاهرات. ولم تُذكر الأسماء رسميًا، لكن صحيفة نيويورك تايمز أكدت هوية المتهمين عبر محامي الضحايا.
وعُثر حتى الآن على 21 ضحية مستعدة للشهادة في القضية. وتقول المحامية تاتيانا أردانيتا فيتيك، الممثلة القانونية لـ18 ضحية، إن هذه الخطوة “تشكل نجاحًا مهمًا في تطور العدالة الجنائية الدولية داخل النمسا”.
كان الحلبي أحد أكثر الشخصيات الأمنية نفوذًا في الرقة. وتصف تقارير حقوقية زنازين الفرع 335 بأنها مواقع يمارس فيها التعذيب يوميًا، باستخدام الضرب، الصدمات الكهربائية، وإجبار المعتقلين على أوضاع جسدية مؤلمة. وتشير شهادات إلى أن مكتب الحلبي كان ملاصقًا لغرف التعذيب، وأنه كان يسمع الصراخ ويشارك أحيانًا في الاستجوابات.
بعد سقوط الرقة عام 2013، فرّ الحلبي عبر تركيا إلى الأردن، وهناك حاول التعاون مع الاستخبارات الفرنسية، قبل أن تتخلى عنه باريس بسبب الأدلة المتزايدة ضدّه. بعدها تدخل الموساد، ونُقل الحلبي إلى فيينا عبر عملية سرية أثبتت وثائق لاحقة أن جهاز BVT النمساوي نسقها تحت اسم “White Milk”، بإشراف رئيس قسم في الجهاز آنذاك مارتن فايس، المطلوب اليوم دوليًا في قضايا أخرى مرتبطة بتهريب يان مارساليك (Wirecard) إلى روسيا.
أما الضابط الثاني المتهم، مصعب أبو ركبة، فقد وصل إلى النمسا كلاجئ عام 2015، حيث تعرف عليه أحد ضحاياه في مخيم للاجئين. وبحسب شهادات جمعتها “نيويورك تايمز”، فإن أبو ركبة استمر في العيش داخل البلاد عدة سنوات رغم إبلاغ السلطات به.
تُعد هذه القضية أول محاكمة في النمسا تطال مسؤولين رفيعي المستوى من نظام الأسد، بعد سنوات من اتهامات دولية بأن النمسا تقاعست في ملاحقة مجرمي الحرب. ويقول المحامي ستيف كوستاس، الذي عمل طويلًا على هذه الملفات:
“الضحايا الثمانية عشر الذين نساندهم ينتظرون اليوم الذي يواجهون فيه جلاديهم في المحكمة. هذه القضية دليل على صمود السوريين الباحثين عن العدالة.”
وبحسب منظمات حقوقية دولية، كان نظام الأسد مسؤولًا عن مقتل ما لا يقل عن 300 ألف مدني خلال الأربعة عشر عامًا التي سبقت سقوطه في ديسمبر 2024، لكن جهود إنشاء محكمة دولية خاصة اصطدمت مرارًا برفض روسيا لأي خطوة من هذا النوع.
النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد.



