النمسا الآن الإخبارية – النمسا السفلى
تزايدت المخاوف في عدد من المناطق الأوروبية من تداعيات التعديلات التي يخطط لها الاتحاد الأوروبي على سياسة التمويل الإقليمي، وذلك بعد إعلان تحالف يضم ثمانين منطقة اقتصادية قوية في أوروبا اعتراضه على التغييرات المقترحة في سياسة التماسك الأوروبية، وهي إحدى أكبر أدوات التمويل داخل الاتحاد الأوروبي. ووفقًا لما أفادت وكالة الأنباء النمساوية APA فقد عبّر ممثلو هذه المناطق خلال اجتماع عقد في بروكسل عن خشيتهم من أن تؤدي الإصلاحات الجديدة إلى تقليص نفوذ المناطق في إدارة المشاريع التنموية الإقليمية.
تُعد سياسة التماسك الأوروبية من أهم بنود ميزانية الاتحاد الأوروبي، إذ تشكل نحو ثلث الميزانية العامة إلى جانب السياسة الزراعية. وخلال فترة التمويل الحالية الممتدة بين عامي 2021 و2027 خصص الاتحاد الأوروبي نحو 392 مليار يورو لدعم التنمية الإقليمية في الدول الأعضاء. وتحصل النمسا خلال هذه الفترة على نحو 1.3 مليار يورو من هذه الأموال، يذهب منها حوالي 200 مليون يورو إلى ولاية النمسا السفلى.
وقد ساهمت هذه التمويلات في دعم العديد من المشاريع التنموية في ولاية النمسا السفلى خلال السنوات الأخيرة. ومن بين المشاريع التي تم تنفيذها بفضل هذه الأموال إنشاء مركز “Haus der Digitalisierung” في مدينة Tulln، إضافة إلى تطوير مراكز البحث والابتكار المعروفة باسم Technopole في مدن Krems وTulln وWiener Neustadt. كما شملت التمويلات مشاريع تعاون عابرة للحدود مع دول مجاورة مثل التشيك وسلوفاكيا والمجر، ومن بينها مشاريع تنظيم حركة الزوار في متنزه Thayatal الوطني.
وتشير بيانات الولاية إلى أن النمسا السفلى حصلت منذ انضمام النمسا إلى الاتحاد الأوروبي عام 1995 على ما مجموعه 760 مليون يورو من بروكسل، وهو ما ساهم في تمويل أكثر من ستة آلاف مشروع إقليمي. كما ساعدت هذه البرامج في إنشاء نحو 15 ألفًا و500 وظيفة جديدة والحفاظ على حوالي خمسين ألف وظيفة أخرى في المنطقة.
لكن المفوضية الأوروبية تسعى الآن إلى إصلاح سياسة التماسك بهدف جعلها أكثر قدرة على التعامل مع التحديات الجديدة، مثل التحول إلى الطاقة المتجددة وتعزيز كفاءة الطاقة وتطوير البنية التحتية الرقمية، إضافة إلى دعم المناطق التي تتأثر بالأزمات الاقتصادية. وتشمل الخطط أيضًا تقليل البيروقراطية عبر دمج عدة صناديق تمويلية في برامج أقل عددًا وأكثر مرونة.
إلا أن النقطة الأكثر إثارة للجدل في المقترح تتمثل في تغيير آلية توزيع الأموال، حيث يقترح مشروع المفوضية الأوروبية أن لا تُحوَّل الأموال مباشرة إلى المناطق كما هو معمول به حاليًا، بل يتم توزيعها عبر الحكومات الوطنية. كما ستصبح عملية صرف الأموال مرتبطة بتنفيذ إصلاحات محددة وتحقيق أهداف مرحلية.
هذا التوجه أثار اعتراضًا واضحًا من تحالف المناطق الاقتصادية القوية في أوروبا، الذي تقوده ولاية النمسا السفلى إلى جانب ولاية Bayern الألمانية. وخلال قمة عقدت في بروكسل جدد ممثلو هذه المناطق رفضهم للخطة، مطالبين بأن تحتفظ المناطق بدور أساسي في التفاوض حول برامج التمويل وتصميمها وتنفيذها، وأن لا يقتصر الدعم الأوروبي على المناطق الضعيفة فقط بل يشمل أيضًا المناطق الاقتصادية القوية.
وأكدت حاكمة ولاية النمسا السفلى Johanna Mikl-Leitner خلال القمة أن المناطق المشاركة لا تأتي إلى بروكسل بوصفها طالبة للمساعدة، بل باعتبارها موطنًا لأكثر المراكز الصناعية إنتاجية ومراكز البحث الأكثر ابتكارًا والشركات الأكثر قدرة على المنافسة في أوروبا. وشددت على أن سياسة التماسك يجب ألا تتحول إلى نظام مركزي يضعف دور المناطق، بل ينبغي الحفاظ على ميزانية قوية لهذه السياسة تخدم جميع المناطق الأوروبية.
كما أشار وزير شؤون أوروبا والعلاقات الدولية في ولاية Bayern الألمانية Eric Beißwenger إلى أن المناطق نفسها هي الأقدر على تحديد كيفية استخدام الأموال الأوروبية، لأنها الأقرب إلى المواطنين وإلى احتياجات الاقتصاد المحلي. وأوضح أن المناطق تريد خطوات واضحة تضمن استمرار استفادتها من هذه التمويلات.
بدوره أكد حاكم ولاية Vorarlberg Markus Wallner أن تبسيط الإجراءات فكرة إيجابية من حيث المبدأ، لكنه شدد على ضرورة أن تتمتع المناطق بحق المشاركة الكاملة في اتخاذ القرارات. وأضاف أنه في حال تم تحويل إدارة الصناديق إلى المستوى الوطني، فيجب توضيح آلية توزيع الأموال بسرعة وبمشاركة متساوية لجميع المناطق.
كما حذر حاكم ولاية Kärnten Peter Kaiser من أن إعطاء الأولوية لمصالح الحكومات الوطنية على حساب المناطق قد يؤدي إلى مشكلات كبيرة، مؤكدًا أن القرارات المتعلقة بالتنمية الإقليمية يجب أن تراعي خصوصية كل منطقة.
من جهته قال نائب رئيس المفوضية الأوروبية المسؤول عن ملف التماسك والإصلاحات Raffaele Fitto إن الهدف من الإصلاح هو تحقيق قدر أكبر من المرونة وتبسيط الإجراءات، مع الاعتراف في الوقت نفسه بأن المناطق الأوروبية تختلف كثيرًا في ظروفها الاقتصادية والاجتماعية. وأكد أن أوروبا تحتاج إلى مناطق قوية لتعزيز قدرتها التنافسية، مشيرًا إلى أن المقترح ما زال في مرحلة النقاش داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي.
وتشير المعلومات إلى أن تحالف ما يُعرف باسم “Power Regions” تأسس في خريف عام 2024 بمشاركة 74 منطقة، قبل أن يتوسع لاحقًا ليضم 80 منطقة أوروبية. وتمثل هذه المناطق نحو نصف سكان الاتحاد الأوروبي، كما تساهم بأكثر من نصف الناتج الاقتصادي الإجمالي للاتحاد.
ولا تزال المفاوضات حول إصلاح سياسة التماسك جارية داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بينما تأمل المفوضية الأوروبية في التوصل إلى اتفاق نهائي قبل نهاية العام. ومن المتوقع أن يدخل الإطار المالي متعدد السنوات الجديد للاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ عام 2028 وأن يمتد لمدة سبع سنوات.
النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد.



