النمسا الآن الإخبارية – دولي
في تقرير شامل وموسع يعكس صورة قاتمة للوضع العالمي، حذّرت منظمة Amnesty International من أن العالم يسير بخطى متسارعة نحو مرحلة خطيرة تتسم بانعدام البوصلة الأخلاقية وتراجع الالتزام بالقيم الأساسية لحقوق الإنسان، حيث جاء ذلك ضمن تقريرها السنوي للفترة 2025/2026، والذي استعرض بشكل تفصيلي حالة النظام الدولي والانتهاكات المتصاعدة في مختلف مناطق العالم، وذلك وفق ما أكدته وكالة الأنباء النمساوية APA ضمن نقلها لمجريات التقرير والمؤتمر الصحفي المرتبط به.
وخلال مؤتمر صحفي عُقد في London، شددت الأمينة العامة للمنظمة Agnès Callamard على أن العالم يعيش مرحلة تتآكل فيها المبادئ التي تأسس عليها النظام الدولي، موضحة أن عام 2025 شهد تصاعدًا واسعًا في الهجمات على التعددية الدولية والقانون الدولي والمجتمع المدني، وهو ما أدى إلى خلق بيئة عالمية تتسم بانتشار العنصرية والتمييز والتفاوت الاجتماعي، إلى جانب تنامي العداء للمؤسسات القانونية والحقوقية، الأمر الذي اعتبرته مؤشرًا على تحول عميق في بنية النظام العالمي.
التقرير لم يكتفِ بوصف الظاهرة، بل قدّم تحليلًا مفصلًا للجهات التي تقف خلف هذا التدهور، حيث أشار إلى دور الدول القوية اقتصاديًا وعسكريًا، إلى جانب الشركات الكبرى والحركات المناهضة لحقوق الإنسان، في تغذية هذا المسار، كما تطرق إلى شخصيات سياسية بارزة مثل Donald Trump وBenjamin Netanyahu وVladimir Putin، مؤكدًا أن تأثير هذه القيادات لا يمكن فصله عن سياق أوسع من الاختلالات البنيوية التي تضرب النظام الدولي.
ومن أبرز ما جاء في التقرير، التحذير من الارتفاع الحاد في الجرائم المرتبطة بانتهاك القانون الدولي، حيث اتهمت المنظمة إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين والاستمرار في سياسات الفصل العنصري حتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، كما وجهت انتقادات شديدة للولايات المتحدة بسبب عمليات عسكرية وصفتها بأنها أسفرت عن أكثر من 150 حالة قتل خارج نطاق القضاء، إضافة إلى اتهامها بالمشاركة في استخدام القوة بشكل غير قانوني إلى جانب إسرائيل ضد إيران، وهو ما اعتبرته المنظمة تهديدًا مباشرًا لحياة ملايين المدنيين.
كما تناول التقرير بشكل تفصيلي تصاعد العمليات العسكرية الروسية ضد البنية التحتية المدنية في أوكرانيا، مشيرًا إلى الأضرار الواسعة التي لحقت بالمرافق الحيوية، إلى جانب القمع العنيف للاحتجاجات في إيران خلال بداية عام 2026، حيث تم استخدام القوة المميتة ضد المتظاهرين، إضافة إلى تدهور أوضاع النساء في أفغانستان تحت حكم طالبان، من خلال فرض قيود صارمة على التعليم والعمل والتنقل، وهو ما يعكس، بحسب التقرير، اتساع نطاق الانتهاكات وتنوع أشكالها في مناطق مختلفة من العالم.
وفي محور لا يقل أهمية، ركز التقرير على أزمة المساءلة الدولية، حيث حذرت المنظمة من تراجع خطير في قدرة المؤسسات الدولية على محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، متهمة الولايات المتحدة وإسرائيل وروسيا بالعمل على تقويض آليات العدالة الدولية، وعلى رأسها المحكمة الجنائية الدولية، كما انتقدت الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية بسبب ما وصفته بالفشل في اتخاذ خطوات فعالة لوقف الانتهاكات أو الحد من تدفق الأسلحة، في حين أشادت بمواقف دول مثل إسبانيا التي اعتبرتها نموذجًا في الالتزام بالمبادئ والوضوح في المواقف.
التقرير توسع أيضًا في تحليل وضع المجتمع المدني، مشيرًا إلى أن العديد من الحكومات حول العالم كثّفت من إجراءاتها القمعية ضد المتظاهرين والنشطاء، حيث تم تسجيل حالات قمع في دول مثل الصين ومصر والهند والولايات المتحدة وفنزويلا، كما انتقدت المنظمة السلطات التركية بسبب اعتقال مئات المتظاهرين الذين خرجوا احتجاجًا على اعتقال رئيس بلدية إسطنبول والمرشح الرئاسي Ekrem Imamoglu، إضافة إلى انتقادات للسلطات الأمريكية بسبب تعاملها مع المهاجرين واللاجئين، حيث تحدث التقرير عن استخدام مفرط للقوة واحتجاز تعسفي وممارسات ترقى إلى التعذيب.
وفي سياق التطورات التكنولوجية، حذّرت المنظمة من تصاعد التهديدات التي تواجه حرية الإعلام نتيجة استخدام تقنيات التجسس والذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن هذه الأدوات باتت تُستخدم لمراقبة واعتقال نشطاء وصحفيين، كما تم توثيق حالات استخدام تقنيات رقمية متقدمة في دول مختلفة لاستهداف المعارضين، ما يعكس تحولًا نوعيًا في أساليب القمع نحو المجال الرقمي.
ورغم الصورة القاتمة التي رسمها التقرير، فإنه لم يغفل الإشارة إلى وجود مقاومة مستمرة من قبل المجتمعات المدنية، حيث استعرض أمثلة متعددة على الاحتجاجات والحركات الشعبية التي واجهت هذه الانتهاكات، من بينها تظاهرات واسعة في عدة دول، إضافة إلى احتجاجات ضخمة شارك فيها مئات الآلاف في أوروبا، فضلًا عن حركات تضامن دولية أدت في بعض الحالات إلى فرض قيود على صادرات الأسلحة، ما يعكس وجود توازن نسبي أمام موجة التراجع الحقوقي.
وفي ختام مداخلتها، دعت Agnès Callamard المجتمع الدولي إلى التحرك بشكل أكثر جدية ومسؤولية، مؤكدة أن المرحلة الحالية تتطلب مواقف حازمة وشجاعة من الدول والمؤسسات، وأن عام 2026 يجب أن يكون نقطة تحول نحو استعادة القيم الأساسية للنظام الدولي، بدلًا من الاستمرار في مسار التدهور الحالي.
النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد.



