النمسا الآن الإخبارية – النمسا
تتجه الحكومة النمساوية نحو إقرار ميزانية مزدوجة للعامين 2027 و2028 بعد مفاوضات طويلة ومعقدة، شهدت توترات حادة بين أحزاب الائتلاف الحاكم، وسط صراع واضح حول توزيع أعباء التقشف ومن سيتحمل الكلفة الفعلية للإجراءات الجديدة.
المفاوضات بين حزب الشعب والحزب الاشتراكي وحزب النيوس لم تكن مجرد نقاش تقني حول الأرقام، بل تحولت إلى مواجهة سياسية حقيقية، خاصة مع محاولة كل طرف فرض أولوياته وحماية قاعدته الانتخابية. وبحسب ما تم تداوله، فإن الأجواء داخل طاولة المفاوضات كانت مشحونة، حيث اشتكت أطراف من “سوء التنسيق” و”محاولات فرض شروط” خلال المباحثات، ما أدى إلى تأخير التوصل إلى اتفاق نهائي.
رغم ذلك، تمكنت الحكومة من الوصول إلى اتفاق مبدئي على الخطوط العامة للميزانية، إلا أن هذا الاتفاق لا يزال هشًا، إذ تشير المعطيات إلى أن نحو 2 بالمئة من القضايا الأساسية لا تزال عالقة، وهي قضايا حساسة تتعلق بشكل مباشر بالتقاعد والضرائب وتمويل التخفيضات.
حجم التقشف المتوقع يشكل أحد أبرز عناصر الجدل، حيث تتراوح التقديرات بين 2.5 مليار يورو وقد تصل إلى 5 مليارات يورو، بحسب مستوى الإجراءات التي سيتم اعتمادها. هذه الأموال سيتم تأمينها عبر مزيج من خفض الإنفاق الحكومي وزيادة الإيرادات، في محاولة للسيطرة على العجز وتحقيق التوازن المالي.
أحد أخطر ملفات الخلاف يتمثل في التقاعد، الذي يشكل العبء الأكبر في الميزانية. المقترحات المطروحة تتضمن تقليص زيادات المعاشات بشكل واضح، حيث تم طرح سيناريو رفعها بنسبة تقارب 1 بالمئة فقط، في وقت تشير التوقعات إلى أن التضخم سيكون أعلى بكثير. هذا يعني عمليًا أن المتقاعدين سيتعرضون لخسارة في القدرة الشرائية، وهو ما أثار رفضًا قويًا، خصوصًا من الحزب الاشتراكي الذي يرى أن تحميل هذه الفئة كلفة الإصلاحات غير مقبول سياسيًا واجتماعيًا.
في المقابل، تدفع أطراف أخرى داخل الحكومة، خاصة حزب الشعب وحزب النيوس، نحو تخفيف الأعباء على الشركات، عبر خفض ما يسمى بتكاليف العمل أو المساهمات التي تدفعها الشركات ضمن النظام الاجتماعي. هذا التوجه يُبرر بضرورة دعم الاقتصاد وتعزيز التوظيف، إلا أنه يخلق في الوقت ذاته فجوة مالية تقدر بنحو ملياري يورو، نتيجة تراجع الإيرادات المرتبطة بهذه المساهمات.
هذه الفجوة فتحت بابًا جديدًا للصراع، حيث لم يتم حتى الآن الاتفاق على كيفية تعويضها. من بين الخيارات المطروحة تمديد أو زيادة الضرائب المفروضة على البنوك، وهو ما يطالب به الحزب الاشتراكي لضمان توزيع أكثر عدالة للأعباء، بحيث لا يتحمل المواطنون وحدهم كلفة التقشف، بينما تستفيد الشركات من التخفيضات.
النقاش لم يتوقف عند هذه النقاط، بل امتد إلى قضايا أخرى مثل تمويل الإجراءات الاجتماعية، ودعم سوق العمل، وخطط الاستثمار الحكومي، حيث يسعى كل طرف إلى الحفاظ على برامجه الأساسية ضمن الميزانية، رغم القيود المالية الصارمة.
الضغط الزمني يلعب دورًا كبيرًا في تسريع المفاوضات، إذ من المقرر أن يتم عرض الميزانية رسميًا في البرلمان خلال يونيو، ما يفرض على الحكومة حسم جميع التفاصيل خلال فترة قصيرة. كما أن كل وزارة مطالبة بتقديم خطتها الخاصة لتنفيذ التخفيضات المطلوبة ضمن الإطار العام المتفق عليه.
ورغم الإعلان عن اتفاق مبدئي، إلا أن المشهد لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة، خاصة أن القضايا المتبقية تمس جوهر التوازن السياسي داخل الحكومة، وقد تؤثر بشكل مباشر على استقرار الائتلاف في حال لم يتم التوصل إلى حلول وسط ترضي جميع الأطراف.
في النهاية، تبدو ميزانية 2027–2028 في النمسا اختبارًا حقيقيًا للحكومة، ليس فقط من حيث الأرقام، بل من حيث القدرة على إدارة التوازن بين التقشف والحماية الاجتماعية، وبين دعم الاقتصاد والحفاظ على الاستقرار السياسي.
النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد



