النمسا الآن الإخبارية – أوروبا
تكشف الأرقام الديموغرافية الحديثة في الاتحاد الأوروبي عن مفارقة شديدة الوضوح، فالقارة تستقبل وتضم أعدادًا قياسية من المهاجرين، لكنها في الوقت نفسه تواصل التقدم في العمر، دون أن تنجح الهجرة في وقف الخلل العميق بين أعداد المواليد والوفيات. ووفقًا للمعطيات التي أوردها التقرير استنادًا إلى بيانات Eurostat وتقديرات دولية، بلغ عدد الأشخاص المقيمين في الاتحاد الأوروبي والمولودين خارج دول الاتحاد 46.7 مليون شخص في بداية عام 2025، بينما وصل عدد المولودين في دولة أوروبية أخرى غير دولة إقامتهم إلى 18 مليونًا، ما يعني أن إجمالي المولودين خارج بلد إقامتهم داخل الاتحاد بلغ نحو 64.7 مليون شخص.
ورغم هذا الحجم التاريخي من الهجرة، لم تتغير الحقيقة الأساسية التي تواجه أوروبا منذ عقود، وهي أن المجتمعات الأوروبية تنجب أقل مما تحتاجه للحفاظ على توازنها السكاني. ففي عام 2024، سجل الاتحاد الأوروبي 4.82 مليون وفاة مقابل 3.56 مليون ولادة فقط، أي أن الفارق الطبيعي بين الولادات والوفيات بلغ عجزًا يقارب 1.3 مليون شخص. ومع ذلك، لم تنخفض أعداد السكان، بل ارتفعت من 449.3 مليون إلى 450.4 مليون نسمة، والسبب المباشر في ذلك هو صافي الهجرة الإيجابي الذي عوّض النقص الطبيعي في السكان.
وتوضح هذه الأرقام أن الاتحاد الأوروبي لم يعد ينمو ديموغرافيًا بفعل الولادات، بل بفعل الهجرة فقط. فبدون الوافدين الجدد، كانت الكتلة الأوروبية ستدخل بالفعل في مسار انكماش سكاني واضح. لكن هذا النمو العددي لا يعني حل المشكلة الديموغرافية، لأن التحدي الحقيقي لا يتعلق فقط بعدد السكان الإجمالي، بل بتركيبة الأعمار داخل المجتمع، وبعدد الأشخاص في سن العمل مقارنة بعدد كبار السن والمتقاعدين.
وهنا تظهر العقدة الأساسية، إذ ارتفع متوسط العمر في الاتحاد الأوروبي من 39.3 عامًا في عام 2004 إلى 44.9 عامًا في عام 2025، ما يعني أن أوروبا لا تزال تشيخ رغم موجات الهجرة الكبيرة. وفي بعض الدول، مثل إيطاليا، أصبح نصف السكان تقريبًا فوق سن 49 عامًا، وهو مؤشر يعكس حجم الضغط المتوقع على أنظمة التقاعد والرعاية الصحية وسوق العمل في السنوات المقبلة.
القضية ليست جديدة، فقد طرحت مؤسسات أوروبية منذ منتصف التسعينيات سؤالًا جوهريًا: هل يمكن للهجرة أن تعوض شيخوخة أوروبا؟ وكانت الإجابة منذ ذلك الوقت شديدة التحفظ. ففي عام 1995، قدّرت المفوضية الأوروبية أن تعويض أثر جيل الطفرة السكانية يحتاج إلى ما بين 5 و7 ملايين مهاجر سنويًا، وهو رقم يفوق بكثير المستويات الطبيعية للهجرة، ويكشف أن الاعتماد على الهجرة وحدها كحل شامل كان منذ البداية تصورًا غير واقعي.
وفي عام 2000، نشرت الأمم المتحدة ورقة شهيرة بعنوان “Replacement Migration”، أي الهجرة التعويضية أو هجرة الحفاظ على عدد السكان، ودرست فيها ما إذا كانت الهجرة قادرة على إنقاذ الدول المتقدمة من الشيخوخة والانكماش. وكانت النتائج صادمة، إذ قدرت الأمم المتحدة أن الاتحاد الأوروبي القديم، المكوّن حينها من 15 دولة، كان يحتاج بين عامي 2000 و2050 إلى 47.5 مليون مهاجر صافٍ فقط للحفاظ على عدد السكان، وإلى 79.4 مليون مهاجر للحفاظ على حجم قوة العمل، وإلى 674 مليون مهاجر للحفاظ على التوازن بين الأشخاص في سن العمل ومن هم فوق 65 عامًا.
وهذا الرقم الأخير هو جوهر الأزمة، لأن أنظمة التقاعد في دول مثل النمسا لا تعتمد فقط على عدد السكان العام، بل على عدد العاملين الذين يمولون المتقاعدين. فإذا ازداد عدد كبار السن بسرعة أكبر من عدد العاملين، فإن إدخال مهاجرين جدد قد يخفف الضغط مؤقتًا، لكنه لا يزيل المشكلة إذا بقيت معدلات الولادة منخفضة واستمرت الشيخوخة في التوسع.
وتشير التوقعات الجديدة إلى أن عدد سكان الاتحاد الأوروبي قد يرتفع قليلًا حتى عام 2029، ليصل إلى نحو 453.3 مليون نسمة، لكنه بعد ذلك سيبدأ بالانخفاض تدريجيًا، ليصل إلى 445 مليونًا في عام 2050، ثم إلى 398.8 مليونًا في عام 2100. وهذا يعني خسارة متوقعة بنحو 53 مليون شخص مقارنة بعام 2025، رغم استمرار الهجرة.
وتتضح المفارقة أكثر عند النظر إلى صافي الهجرة في عام 2024، الذي قُدر بنحو 2.3 مليون شخص، وهو رقم كبير جدًا مقارنة بالافتراضات القديمة للأمم المتحدة، التي كانت تتحدث عن متوسط سنوي أقل بكثير. ومع ذلك، لم تمنع هذه الهجرة المرتفعة استمرار الشيخوخة، ما يؤكد أن المشكلة ليست فقط في عدد الداخلين إلى أوروبا، بل في بنية المجتمع الأوروبي نفسها، وفي تراجع الخصوبة وارتفاع متوسط العمر وتزايد سنوات التقاعد.
ويخلص التقرير إلى أن الهجرة قد تساعد في تخفيف نقص العمالة، وقد تمنح الحكومات وقتًا إضافيًا، وقد تدعم بعض القطاعات الاقتصادية، لكنها لا تستطيع وحدها إنقاذ أوروبا من أزمة ديموغرافية عميقة. فالحل يحتاج إلى مزيج أكثر تعقيدًا يشمل رفع الإنتاجية، وتشجيع الإنجاب، وإصلاح أنظمة التقاعد، وزيادة مشاركة السكان في سوق العمل، وربما إطالة سنوات العمل في بعض الدول.
والخلاصة أن أوروبا باتت أمام واقع صعب: الهجرة موجودة بأرقام قياسية، لكن الشيخوخة مستمرة. فالقارة لا تواجه فقط سؤال “كم عدد السكان؟”، بل سؤالًا أعمق: من سيعمل؟ من سيموّل التقاعد؟ ومن سيتحمل تكاليف الرعاية الصحية والاجتماعية في مجتمعات يزداد فيها عدد كبار السن بينما يتراجع عدد المواليد؟
النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد



