النمسا الآن الإخبارية – النمسا
تتجه حكومة المستشار Christian Stocker من ÖVP نحو إنشاء صندوق استثماري حكومي جديد في النمسا، يقوم على استثمار 700 مليون يورو سنويًا في أسواق المال، على أن تستخدم العوائد الناتجة عنه مستقبلًا للمساعدة في تخفيف العبء المتزايد لنفقات نظام التقاعد على ميزانية الدولة.
لكن نجاح المشروع، وفق التقييمات الواردة، لن يتوقف فقط على حجم الأموال التي ستوضع في الصندوق، بل على طريقة بنائه قانونيًا، ونوعية الاستثمارات، والقواعد التي تحدد مقدار الأموال التي تستطيع الحكومات سحبها منه، والجهة التي تتحكم في قراراته، إضافة إلى ضرورة حمايته من التدخلات السياسية التي يمكن أن تغير استراتيجيته عند وقوع أزمات مالية.
وبحسب ما أوردته صحيفة Der Standard، يريد Stocker استخدام الصندوق لمساعدة الدولة على تمويل الارتفاع المستمر في نفقات التقاعد، مستفيدًا من نماذج قائمة في دول مثل النرويج والدنمارك. ويبلغ حجم الصندوق السيادي النرويجي حاليًا نحو تريليوني يورو، وهو الأكبر من نوعه في العالم، لكنه يستند أساسًا إلى عائدات النفط، وهي ميزة مالية لا تمتلكها النمسا.
700 مليون يورو كل عام
الخطة النمساوية المطروحة تقوم على ضخ 700 مليون يورو سنويًا في الصندوق.
والهدف ليس إنفاق هذه الأموال مباشرة على معاشات التقاعد، وإنما استثمار رأس المال بحيث تحقق الاستثمارات عوائد يمكن أن تساعد الدولة مستقبلًا على تحمل جزء من تكاليف التقاعد.
وتبرز هنا مسألة أساسية: العوائد الاستثمارية ليست مضمونة، ويمكن للصندوق أن يمر بسنوات من الخسائر الكبيرة مثل أي استثمار في أسواق المال.
ويظهر النموذج النرويجي حجم هذه المخاطر بصورة واضحة.
النرويج خسرت 23.3% في عام واحد
خلال الأزمة المالية العالمية في عام 2008، خسر الصندوق النرويجي 23.3% من قيمته.
ولو طُبقت نسبة الخسارة نفسها على الحجم الحالي للصندوق، لكانت الخسارة تعادل نحو 467 مليار يورو خلال عام واحد، أي ما يقارب 83 ألف يورو لكل مواطن نرويجي.
ورغم الخسارة، استمرت التحويلات من الصندوق إلى الدولة، لأن قواعد السحب كانت محددة مسبقًا.
وهذه النقطة تعتبر من أهم الدروس التي يرى التقرير ضرورة تطبيقها في النمسا: تحديد قواعد السحب بصورة صارمة منذ البداية، بحيث لا تتمكن كل حكومة جديدة من تعديل أهداف الصندوق أو استخدام أمواله وفق أولوياتها السياسية الخاصة.
ماذا لو أنشأت النمسا الصندوق قبل 30 عامًا؟
قدم خبير أسواق المال ورجل الأعمال Josef Obergantschnig حسابًا افتراضيًا لمعرفة ما كان يمكن أن يحدث لو بدأت النمسا مشروعًا مشابهًا في 1996.
ويقوم الحساب على افتراض أن النمسا كانت ستخصص للصندوق سنويًا النسبة نفسها من الإيرادات العامة التي تعادلها حاليًا خطة الـ700 مليون يورو، وهي 0.31% من Abgaben.
وبحسب الحساب، كان حجم الصندوق سيصل اليوم إلى نحو 36.6 مليار يورو.
لكن المبلغ الذي كانت الدولة ستدفعه فعليًا طوال تلك الفترة لا يتجاوز 12.6 مليار يورو.
وهذا يعني أن نحو ثلثي القيمة المتراكمة للصندوق لم تكن ستأتي مباشرة من أموال دافعي الضرائب، وإنما من عوائد أسواق رأس المال.
الفارق الكبير بين النمسا والنرويج
لكن مقارنة النمسا بالنرويج لها حدود واضحة.
فالنرويج دفعت إلى صندوقها خلال ثلاثة عقود ما يعادل 15.7% من إيراداتها العامة.
ولو أرادت النمسا تطبيق النسبة نفسها، لكان عليها تحويل نحو 35.7 مليار يورو سنويًا إلى الصندوق.
وهذا المبلغ يعادل 51 ضعف مبلغ الـ700 مليون يورو المقترح حاليًا.
وبحسب Obergantschnig، فإن 35.7 مليار يورو تتجاوز ما تنفقه الحكومة الاتحادية النمساوية حاليًا بالكامل على شكل مساهمات لدعم نظام التقاعد.
ويعود الفارق الأساسي إلى أن النرويج تمتلك عائدات نفطية ضخمة تستخدم لتمويل صندوقها، بينما لا تمتلك النمسا مصدر دخل مماثلًا.
وبالتالي فإن كل مبلغ تخصصه النمسا لصندوقها الحكومي سيكون مبلغًا غير متاح للإنفاق في مكان آخر من الميزانية.
من أين ستأتي الـ700 مليون يورو؟
الخطة المطروحة حاليًا تقضي بتمويل الصندوق من توزيعات الأرباح الناتجة عن حصص ÖBAG.
ومن المقرر استخدام نحو 700 مليون يورو من هذه الأرباح سنويًا لتكوين رأس مال الصندوق.
لكن هذا يفتح سؤالًا ماليًا آخر: إذا كانت هذه الأرباح تذهب حاليًا إلى جهة أخرى في المالية العامة، فمن أين سيتم تعويض الفجوات التي تنشأ نتيجة تحويلها إلى الصندوق؟
ولا تزال الإجابة عن هذه النقطة مفتوحة.
ويشير التقرير للمقارنة إلى ألمانيا، حيث يُخطط لنموذج مشابه للدعم الرأسمالي لنظام التقاعد، مع توجه إلى تمويله عبر زيادة التكاليف الإضافية على الأجور Lohnnebenkosten.
ورغم الأسئلة المفتوحة، يرى Obergantschnig أن إنشاء صندوق حكومي يمكن أن يكون مفيدًا وأن يخفف العبء عن الأجيال المقبلة، بشرط أن تكون الاستراتيجية التي يقوم عليها صحيحة.
كم يمكن أن يصبح حجم الصندوق بعد 30 عامًا؟
أحد أكثر أجزاء الحسابات أهمية يتعلق بما يمكن أن ينتج عن استثمار 700 مليون يورو سنويًا على مدى ثلاثة عقود.
خلال 30 عامًا، يصل مجموع الأموال المدفوعة مباشرة إلى الصندوق إلى 21 مليار يورو.
لكن القيمة النهائية تختلف بصورة هائلة اعتمادًا على طريقة الاستثمار.
ففي سيناريو يقوم على أداء الأسهم العالمية خلال السنوات العشر الماضية، يمكن أن يصل حجم الصندوق بعد 30 عامًا إلى قرابة 200 مليار يورو.
أما إذا اتبع الصندوق نموذج أداء قريبًا من النموذج النرويجي، فتصل القيمة المقدرة إلى 102.6 مليار يورو.
وفي نموذج استثماري يوصف بأنه مزيج نمساوي تقليدي، يتكون من 75% سندات و25% أسهم، يمكن أن يصل الحجم إلى 62.8 مليار يورو.
أما في حال الاعتماد على استثمارات أمان بحتة، فتتراجع القيمة المقدرة إلى 36.7 مليار يورو.
21 مليار يورو يمكن أن تتحول إلى قرابة 200 مليار
وتوضح هذه السيناريوهات مدى تأثير العوائد على النتيجة النهائية.
ففي جميع الحالات، يبلغ إجمالي المساهمات المباشرة خلال 30 عامًا 21 مليار يورو، لكن النتيجة الافتراضية تتراوح من 36.7 مليار إلى قرابة 200 مليار يورو اعتمادًا على استراتيجية الاستثمار والأداء المفترض.
وهذه الأرقام سيناريوهات حسابية وليست ضمانًا لعوائد مستقبلية.
فالسيناريو الأعلى، على سبيل المثال، يعتمد على افتراض استمرار أداء مشابه لأداء الأسهم العالمية خلال السنوات العشر الماضية، ولا يعني أن الصندوق النمساوي سيحقق فعليًا 200 مليار يورو.
الاعتماد الكبير على السندات يحمل مشكلة
ويحذر Obergantschnig من أن الاستثمار في السندات وحدها قد لا يكون كافيًا إذا كان الصندوق يسحب في الوقت نفسه نسبة من أصوله سنويًا.
فوفق حساباته، فإن صندوقًا يستثمر حصريًا في السندات ويعمل بقاعدة سحب قدرها 3% سيبدأ باستهلاك جزء من رأسماله الحقيقي بمعدل يقارب 1.45% سنويًا.
ولهذا يحتفظ الصندوق النرويجي بنحو 72% من أصوله في الأسهم.
ويرى الخبير أن نسبة الأسهم تمثل عنصرًا أساسيًا للحفاظ على إمكانية تطبيق قاعدة السحب على المدى الطويل.
تجربة إيرلندا تحذر من التدخل السياسي
ويقدم التقرير تجربة إيرلندا باعتبارها نموذجًا معاكسًا يجب الانتباه إليه.
فصندوق التقاعد الإيرلندي كان في الأصل خاضعًا لقواعد صارمة، لكن خلال الأزمة المالية صدر في 2009 قانون جديد منح وزير المالية صلاحية إصدار أوامر استثمار للصندوق.
ونتيجة ذلك تعطلت عمليًا سياسة الاستثمار الأصلية للصندوق.
وكان السبب الحاجة إلى إنقاذ مصرفين من الانهيار خلال الأزمة المالية.
وفي 2010 صدرت تعليمات بشراء أصول إضافية، وبنهاية العام سجل الصندوق خسائر غير محققة بلغت 3.7 مليار يورو.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2014 انتهت المهمة الاستثمارية الأصلية، وانتقلت الأصول إلى Ireland Strategic Investment Fund الذي لم يعد هدفه تأمين التقاعد، وإنما الاستثمار في الاقتصاد الإيرلندي.
والدرس الذي يستخلصه التقرير هو أن قواعد الاستثمار كانت منصوصًا عليها في قانون عادي، وبالتالي أمكن لحكومة لاحقة تغييرها بأغلبية بسيطة من خلال قانون جديد.
من يقرر داخل الصندوق؟
لهذا السبب يركز التصور على ضرورة تحديد الاختصاصات وصلاحيات اتخاذ القرار قبل إطلاق الصندوق.
ويجب تحديد من يستطيع اتخاذ القرارات، وما الذي يستطيع تغييره، ومتى يمكن تعديل استراتيجية الاستثمار أو قواعد السحب.
وفي النرويج، كانت قاعدة السحب سابقًا 4%، ثم خُفضت في عام 2017 إلى 3% بعدما ارتفعت قيمة الصندوق.
ووفق النموذج المذكور، جرى خفض النسبة للمحافظة على استقرار المساهمة في الميزانية، لكن لم يتم رفعها لمجرد أن حجم الصندوق أصبح أكبر.
الدولة تحصل على الأموال حتى عندما يخسر الصندوق
ومن الخصائص المهمة في النموذج النرويجي أن الدولة تحصل على التحويلات حتى في سنوات الخسارة.
ويُحسب المبلغ على أساس قيمة الصندوق في بداية العام.
وبذلك لا تنتقل تقلبات الأسواق بصورة مباشرة إلى ميزانية الدولة، وإنما يتحمل الصندوق نفسه الخسارة.
ويرى Obergantschnig أن جعل التحويلات تتقلب مع النتائج السنوية للصندوق سيحول الصندوق إلى خطر مرتبط بالدورة الاقتصادية بالنسبة إلى الميزانية، وقد يدفع السياسيين إلى التدخل عندما تتراجع الأسواق.
هل تمول الأرباح التقاعد فقط؟
هناك أيضًا خلاف محتمل حول استخدام الأموال.
فالخطة النمساوية المقترحة تستهدف بصورة أساسية تمويل التقاعد.
لكن النموذج النرويجي لا يخصص عائدات الصندوق حصريًا لنوع واحد من الإنفاق.
فالأموال تذهب إلى الميزانية العامة، التي تستخدمها الحكومة لتمويل المدارس والطرق والمستشفيات والتقاعد وغيرها.
وفي 2026 يبلغ التحويل المذكور من الصندوق النرويجي إلى الميزانية 579 مليار كرونة، أي نحو 51 مليار يورو.
ويرى Obergantschnig أن ربط الصندوق ببند إنفاق واحد فقط قد يؤدي سنويًا إلى نقاش سياسي حول ما إذا كان هذا القطاع يحصل على أموال كافية، بينما يمنح التحويل إلى الميزانية العامة مرونة أكبر.
تحذير من استثمار الصندوق بكثافة داخل النمسا
ويطرح التقرير قاعدة أخرى من النموذج النرويجي: الصندوق الكبير لا يستثمر في الأسهم النرويجية نفسها.
فالاستثمارات النرويجية والعقارات والبنية التحتية داخل البلاد مستبعدة من نطاق استثمار الصندوق، فيما توجد أداة أخرى لدعم الاقتصاد المحلي.
وفي النمسا توجد بالفعل ÖBAG للاحتفاظ بحصص استراتيجية، بينما يفترض أن تكون وظيفة الصندوق الجديد مختلفة وأكثر تنوعًا.
ويحذر Obergantschnig من توجيه الصندوق بصورة أساسية نحو السوق النمساوية بسبب صغر حجمها.
وتبلغ القيمة الإجمالية للأسهم المحلية المدرجة في Prime Market في بورصة فيينا نحو 209.6 مليار يورو.
وفي المقابل، ستبلغ المساهمات المباشرة في الصندوق على مدى 30 عامًا 21 مليار يورو، أي ما يعادل نحو 10% من هذه السوق حتى قبل احتساب أي عوائد استثمارية.
لا ضمان لرأس المال
ويخلص التقرير إلى نقطة أخرى يعتبرها أساسية: عدم فرض ضمان لرأس المال بطريقة تؤدي إلى إفساد استراتيجية الاستثمار.
ويستشهد بتجربة نمساوية سابقة في prämienbegünstigte Zukunftsvorsorge، التي تضمنت تركيزًا على الاستثمار داخل النمسا، وحدًا أدنى للاستثمار في الأسهم، وضمانًا لرأس المال.
لكن الضمان أجبر مقدمي المنتجات على الانتقال من الأسهم إلى استثمارات خالية من المخاطر بمجرد بلوغ مستوى معين من الخسائر.
والنتيجة أن من خرجوا من الأسهم بهذه الطريقة لم يتمكنوا لاحقًا من الاستفادة من تعافي أسواق الأسهم.
ولهذا يحذر التقرير من تكرار نموذج تكون فيه الحماية من الخسارة مصممة بطريقة تمنع الصندوق نفسه من الاستفادة من التعافي اللاحق للأسواق.
المشروع يمكن أن يساعد التقاعد لكنه لا يقدم عوائد مضمونة
وبذلك تقوم خطة Stocker على تخصيص 700 مليون يورو سنويًا لصندوق استثماري حكومي يفترض أن تساعد عوائده مستقبلًا في تخفيف تكاليف التقاعد.
لكن الحسابات المعروضة تظهر أن النتيجة ستعتمد بصورة حاسمة على استراتيجية الاستثمار.
فمجموع المساهمات خلال 30 عامًا سيبلغ 21 مليار يورو، بينما تتراوح القيم الافتراضية النهائية بين 36.7 مليار يورو في السيناريو الأكثر تحفظًا ونحو 200 مليار يورو في سيناريو قائم على أداء الأسهم العالمية في السنوات العشر الماضية.
وفي الوقت نفسه، تبقى أسئلة التمويل وقواعد السحب واستقلال الصندوق عن التدخل السياسي وتوزيع الاستثمارات من أهم المسائل التي يجب حسمها قبل إطلاق المشروع.
النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد.




