أعلنت الحكومة النمساوية، المكوّنة من أحزاب الشعب النمساوي والاشتراكي الديمقراطي وحزب النيون، عن خطتها المالية المصاحبة للميزانية الجديدة، والتي تتضمن اثنين وسبعين تعديلًا قانونيًا، ستُغيّر بعمق خريطة الدعم الاجتماعي في البلاد، وتشكّل نقطة تحوّل في تعامل الدولة مع ملفي الهجرة والرعاية الاجتماعية.
يأتي ذلك في إطار برنامج تقشفي يستهدف تقليص عجز الميزانية بمقدار يزيد عن ستة مليارات يورو خلال عام ألفين وخمسة وعشرين، وثمانية مليارات أخرى في العام التالي.
اللاجئون أول المتأثرين: اللغة شرطٌ للحصول على الدعم
أكثر البنود لفتًا للأنظار هو ربط استحقاق المساعدات الاجتماعية للاجئين المعترف بهم بإثبات الكفاءة في اللغة الألمانية، وليس فقط بحضور دورات الاندماج.
بحسب وزيرة الاندماج سوزان بلاكولم، لن تكون “المشاركة الشكلية” كافية بعد الآن، بل يتوجب على اللاجئ النجاح في اختبار نهائي يثبت إتقانه للغة. من يرسب، سيُخفض دعمه المالي بنسبة تصل إلى خمسين في المئة.
وقد تم تخفيض ميزانية دورات اللغة والاندماج من مئة وسبعة وعشرين مليون يورو إلى سبعة وثمانين مليونًا فقط، مما يعني تقليص أعداد المشاركين والبرامج، رغم تزايد الطلب.
كما أشارت الحكومة إلى دعم العودة الطوعية لمن يرغب من اللاجئين بالمغادرة، عبر برامج تمويل لم يُكشف عن تفاصيلها بعد.
تحليل “النمسا الآن الإخبارية”:
هذه التعديلات توجه رسالة صارمة: “الاندماج أو تقليص الدعم”. وتبدو وكأنها استجابة لضغوط سياسية داخلية، خاصة من ولايات مثل النمسا السفلى وأوبرأوسترايش، التي كانت سبّاقة في تقييد دعم اللاجئين. لكن هذا الإجراء قد يؤدي أيضًا إلى هشاشة اجتماعية أكبر بين اللاجئين، خصوصًا من سوريا وأفغانستان، حيث ترتفع نسب الأمية أو ضعف المهارات التعليمية.
إلغاء منح التعليم وتقليص فرص العمل للعاطلين
تضمنت التعديلات إلغاء ما يُعرف بـ”منحة التعليم”، التي كانت تُمنح للمستفيدين من الرعاية الاجتماعية المشاركين في دورات طويلة عبر مصلحة العمل النمساوية. هذه المنحة، التي كانت تصل إلى ثلاثمئة يورو شهريًا، شكّلت حافزًا مهمًا للاندماج في سوق العمل.
كما تم فرض قيود جديدة على الجمع بين إعانة البطالة والعمل الجزئي، إذ لن يُسمح به بعد الآن إلا لحالات محددة: العاطلين لأكثر من عام، كبار السن فوق الخمسين، أو ذوي الإعاقة.
رسوم جديدة وإلغاء مكافآت
رسوم بطاقة التأمين الصحي الإلكترونية سترتفع ابتداءً من شهر تشرين الثاني المقبل، كما تم تعليق الزيادة السنوية في إعانات الأطفال وربطها بميزانية الدولة، بعد أن كانت ترتفع تلقائيًا مع معدل التضخم.
وفي خطوة أثارت جدلًا بيئيًا واجتماعيًا، تم إلغاء مكافأة المناخ، وهي المبلغ السنوي الذي يحصل عليه السكان حسب مكان الإقامة ومدى استخدام وسائل النقل، ما يُتوقع أن يؤثر على سكان المناطق الريفية ومنخفضي الدخل.
إصلاح إداري وتجميد التوظيف
شملت التعديلات تجميد التوظيف الحكومي في معظم القطاعات لعامين على الأقل، ودمج منصات التدريب المهني ضمن منظومة رقمية جديدة تهدف إلى تقليل البيروقراطية وتسريع التأهيل الوظيفي.
خلاصة “النمسا الآن الإخبارية”
الميزانية الجديدة تحوّل سياسة الدولة من “دولة الرفاه” إلى “دولة الأداء المشروط”. وتأتي هذه التغييرات في وقت حساس سياسيًا واجتماعيًا، إذ يشعر اللاجئون والعاطلون والطبقات الضعيفة بأنهم الهدف الأول لتقليصات مالية لا تمسّ حتى الآن الطبقات العليا أو أرباح الشركات الكبرى.
بينما تبرر الحكومة هذه الإجراءات بأنها ضرورية لضبط النفقات وتفادي أزمات مالية مستقبلية، يُطرح سؤال كبير: من سيدفع ثمن الإصلاح، ومن سيُترك خلف الركب؟
سنواصل في “النمسا الآن الإخبارية” متابعة كل تطور تشريعي واجتماعي مرتبط بهذه الخطة في الأسابيع المقبلة.




