النمسا الآن الإخبارية – فيينا
في قضية تعكس بشكل واضح دقة وصرامة نظام المساعدات الاجتماعية في النمسا، أيدت المحكمة الاتحادية الإدارية قرار مكتب العمل بقطع المساعدات الاجتماعية عن رجل سوري لمدة 56 يومًا، بعد أن اعتُبر أنه أفشل بنفسه فرصة عمل حقيقية خلال مقابلة توظيف، وذلك بسبب إصراره المتكرر على العمل في مجال البقلاوة فقط ورفضه القيام بمهام أخرى مرتبطة بالوظيفة المعروضة، بحسب ما أفادت وكالة الأنباء النمساوية APA.
وتعود تفاصيل القضية إلى شهر سبتمبر من عام 2025، عندما تم استدعاء الرجل من قبل مكتب العمل للمشاركة في فعالية توظيف تتعلق بوظيفة في مجال الإنتاج والتموين الغذائي داخل منشأة تعمل في إعداد وتقديم المواد الغذائية، حيث حضر المقابلة والتقى بصاحب العمل الذي بدأ بشرح مفصل لطبيعة الوظيفة، موضحًا ساعات العمل، نظام المناوبات، والمهام اليومية المطلوبة، والتي تشمل العمل داخل بيئة إنتاج غذائي متنوعة، وليس تخصصًا ضيقًا في نوع واحد فقط من المنتجات.
وخلال المقابلة، أوضح صاحب العمل أن العمل يتضمن استخدام أفران ومعدات حديثة، وأن جزءًا كبيرًا من العمليات داخل المطبخ أو المخبز يتم بطريقة شبه آلية، ما يعني أن بعض المهام يمكن تعلمها بسهولة حتى لو لم يكن لدى المتقدم خبرة دقيقة في كل جانب من جوانب العمل، كما حاول التأكيد على أن الخبرة في مجال إنتاج المواد الغذائية بشكل عام تُعتبر كافية للبدء والتدريب داخل العمل.
إلا أن نقطة التحول في المقابلة جاءت عندما تم سؤال الرجل عن خبرته في خبز الخبز والعمل داخل المخبز، حيث أجاب بشكل مباشر وواضح أنه لا يقوم بخبز الخبز، وأنه يعمل فقط في إعداد البقلاوة، ولم يكتفِ بذكر ذلك مرة واحدة، بل كرر هذا الموقف عدة مرات خلال المقابلة، حتى بعد أن حاول صاحب العمل توضيح أن الوظيفة لا تقتصر على خبز الخبز، وأنها تشمل مهام أوسع ضمن نفس المجال.
وبحسب ما ورد في قرار المحكمة، فإن صاحب العمل لم يرفضه منذ البداية، بل أبدى اهتمامًا بإمكانية توظيفه، خاصة نظرًا لخبرته الطويلة في مجال إعداد الحلويات، كما طرح عليه أسئلة إضافية تتعلق بالتعامل مع الأفران والإنتاج، إلا أن إصرار الرجل المتكرر على أنه يعمل فقط في البقلاوة ولا يرغب في خبز الخبز أعطى انطباعًا واضحًا بعدم استعداده للاندماج في متطلبات الوظيفة، ما أدى في النهاية إلى إنهاء المقابلة دون التوصل إلى اتفاق.
هذا السلوك كان العامل الحاسم في القضية، حيث اعتبرت الجهات المختصة أن الرجل لم يُظهر الجدية المطلوبة للحصول على الوظيفة، بل قام فعليًا بتقليل فرصه بنفسه، وأفشل إمكانية إبرام عقد عمل، رغم أن الوظيفة كانت تُصنف على أنها مناسبة له من حيث الشروط العامة، وهو ما أدى إلى قرار مكتب العمل بفرض عقوبة قطع المساعدات الاجتماعية لمدة 56 يومًا.
من جهته، حاول الرجل الطعن في القرار، مؤكدًا أمام المحكمة أنه لم يرفض العمل بشكل مباشر، بل كان فقط صريحًا في إجاباته، وأنه بالفعل لا يمتلك خبرة في خبز الخبز، وأن تخصصه يقتصر على إعداد البقلاوة، معتبرًا أن الصدق في الإجابة لا يجب أن يُفسر على أنه رفض للعمل أو عدم رغبة فيه.
إلا أن المحكمة الاتحادية الإدارية رفضت هذا الطرح بشكل واضح، وأكدت في حيثيات حكمها أن الباحث عن عمل ملزم قانونيًا بعدم القيام بأي تصرف قد يؤدي إلى نفور صاحب العمل أو إعطائه انطباعًا بعدم الرغبة في العمل، خاصة عندما تكون الوظيفة المعروضة مناسبة من حيث طبيعتها العامة، كما شددت على أن تكرار التأكيد على رفض جزء من المهام الأساسية يُعتبر سلوكًا يؤدي إلى إفشال فرصة التوظيف.
كما أوضحت المحكمة أن خبرة الرجل الطويلة في إعداد البقلاوة تعني أنه يمتلك بالفعل مهارات في مجال إنتاج المواد الغذائية، وهو ما يجعله مؤهلًا للعمل في بيئة إنتاج تشمل أنواعًا مختلفة من المخبوزات، وبالتالي كان من المتوقع أن يُظهر مرونة واستعدادًا لتعلم مهام جديدة، بدلًا من حصر نفسه في نوع واحد فقط من العمل ورفض باقي المهام بشكل متكرر.
ولم تتوقف المحكمة عند هذا الحد، بل أشارت أيضًا إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها اتخاذ إجراء مماثل بحقه، إذ سبق أن فُرضت عليه عقوبة بقطع المساعدات في عام 2025، كما تبين من السجلات أنه يتلقى مساعدات من نظام التأمين ضد البطالة بشكل شبه مستمر منذ عام 2011، باستثناء عامي 2018 و2023، وهو ما اعتُبر عاملًا إضافيًا في تقييم سلوكه الحالي ومدى التزامه بمتطلبات البحث عن عمل.
وبناءً على جميع هذه المعطيات، خلصت المحكمة إلى أن قرار مكتب العمل بقطع المساعدات الاجتماعية لمدة 56 يومًا كان مبررًا وقانونيًا، وأن الرجل لم يلتزم بواجباته كباحث عن عمل، حيث أدى تمسكه المتكرر بالعمل في البقلاوة فقط ورفضه خبز الخبز إلى إفشال فرصة عمل كانت متاحة له بشكل فعلي.
وتعكس هذه القضية بوضوح النهج الصارم الذي تتبعه السلطات النمساوية في ربط المساعدات الاجتماعية بمدى جدية الشخص واستعداده الفعلي للاندماج في سوق العمل، حيث لا يُقبل رفض فرص العمل المناسبة أو إضعافها بسبب تفضيلات شخصية ضيقة، حتى لو كانت مرتبطة بالتخصص السابق للشخص.
النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد.



