النمسا الآن الإخبارية – النمسا
تفجّرت موجة جديدة من الجدل السياسي والاقتصادي في النمسا بعد أن قررت شركة OMV، وهي شركة الطاقة النمساوية الكبرى التي تمتلك الدولة حصة فيها، تقليص مستوى التخفيض المفروض على أسعار الديزل، ما وضع سياسة الحكومة الخاصة بكبح أسعار الوقود تحت ضغط كبير، في وقت مبكر من تطبيقها، بحسب ما أفادت وكالة الأنباء النمساوية APA ضمن متابعة دقيقة لتطورات الملف.
وجاءت هذه التطورات بعد نحو أسبوعين فقط من بدء العمل بما يُعرف بآلية كبح أسعار الوقود، والتي تهدف إلى تخفيف العبء عن المستهلكين عبر تقليص سعر اللتر، حيث كان من المفترض أن يصل التخفيض إلى خمسة سنتات لكل لتر من الديزل، إلا أن شركة OMV أعلنت أنها لن تلتزم بهذا المستوى بالكامل، بل ستخفض السعر بمقدار 2.8 سنت فقط، وهو ما اعتبر تحولًا جوهريًا في تطبيق القرار على أرض الواقع.
وبررت الشركة هذا القرار بأن سوق الوقود في النمسا يعتمد بشكل كبير على استيراد الديزل من الخارج، وهو ما يجعل تحقيق التخفيض الكامل صعبًا دون التأثير على استقرار الإمدادات، مؤكدة أن الحفاظ على توفر الوقود في السوق يمثل أولوية لا يمكن التفريط بها، في حين بدأت هيئة تنظيم الطاقة في البلاد بمراجعة هذه الخطوة للتأكد من توافقها مع الإطار القانوني للقرار الحكومي.
وفي تحليل اقتصادي لهذا التطور، وصف الخبير في معهد البحوث الاقتصادية النمساوي Wifo، ميشائيل بويهايم (Michael Böheim)، ما يحدث بأنه “دراما سياسية اقتصادية”، مشيرًا إلى أن اللافت في القضية هو أن الجهة التي قلّصت الالتزام ليست شركة دولية مثل Shell أو BP، بل شركة OMV نفسها التي ترتبط جزئيًا بالدولة، وهو ما يعكس خللًا واضحًا في التنسيق بين صناع القرار السياسي والجهات الاقتصادية.
وأوضح بويهايم أن الحكومة، رغم امتلاكها حصة في الشركة، لا تملك صلاحية إصدار أوامر مباشرة لإدارتها بسبب استقلالية مجلس الإدارة وفق قانون الشركات، ما يجعل التأثير يتم بطرق غير مباشرة، مثل الضغوط المرتبطة بإعادة تعيين القيادات، خاصة في ظل الحديث عن مستقبل المدير التنفيذي للشركة ألفريد شتيرن (Alfred Stern)، وهو ما قد يدفع الإدارة الحالية لاتخاذ مواقف أكثر تشددًا واستقلالية.
وأشار إلى أن هذه الخطوة قد تشكل سابقة لبقية شركات ومحطات الوقود في النمسا، حيث من المتوقع أن تحذو حذو OMV إذا أثبتت الشركة قدرتها على تبرير موقفها اقتصاديًا، ما قد يؤدي إلى تقويض فعالية سياسة كبح الأسعار بشكل كامل وتحويلها إلى إجراء محدود التأثير.
وعند تقييمه لسياسة كبح أسعار الوقود، أكد بويهايم أنها خطوة “حسنة النية لكنها غير مكتملة من حيث التصميم”، موضحًا أنها قد تساعد في تخفيف التضخم على المستوى العام، لكنها تخلق في المقابل ضغوطًا على الشركات على المستوى الجزئي، ما يؤدي إلى ظهور آثار جانبية اقتصادية قد تكون مكلفة على المدى الطويل.
كما حذر من أن فرض سقوف سعرية أكثر صرامة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل نقص الوقود في السوق، حيث يمكن للشركات ببساطة تقليل الاستيراد إذا لم تحقق هوامش الربح المطلوبة، وهو سيناريو قد تلجأ إليه الشركات في حال تصاعد الخلاف مع الحكومة.
وفي تحليله الأوسع، أشار بويهايم إلى أن جذور المشكلة تعود إلى محدودية القدرة المالية للدولة، حيث لا تمتلك النمسا هامشًا ماليًا كافيًا لإجراء تخفيضات ضريبية كبيرة، في ظل عجز مرتفع في الميزانية، ما يدفع الحكومة إلى حلول جزئية تجمع بين تخفيضات محدودة ومحاولات لتحميل جزء من التكلفة على شركات الطاقة.
وختم بويهايم بالإشارة إلى أن ما يحدث يعكس صراعًا حقيقيًا بين السياسة والاقتصاد في النمسا، حيث تحاول الحكومة التدخل لضبط الأسعار، بينما تسعى الشركات إلى حماية مصالحها التشغيلية، وهو ما ظهر بوضوح في موقف شركة OMV التي بدت وكأنها تتحدى القرار الحكومي بشكل غير مباشر.
النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد.



