النمسا الآن الإخبارية – أوروبا
في خطوة تعكس تحولًا استراتيجيًا واضحًا في السياسة الأمنية الأوروبية، أجرى الاتحاد الأوروبي تمرينًا عمليًا لاختبار آلية “بند الدفاع المشترك” المنصوص عليها في معاهدة الاتحاد، وذلك في إطار الاستعداد لسيناريوهات هجمات واسعة النطاق، خاصة من النوع الهجين الذي يجمع بين الهجمات السيبرانية والتخريبية، حيث شارك في هذه المناورة سفراء الدول الأعضاء المسؤولون عن ملفات الأمن، إلى جانب خبراء من المؤسسات الأوروبية، في محاولة لاختبار مدى جاهزية التنسيق الجماعي وسرعة الاستجابة في حالات الطوارئ المعقدة.
هذا التمرين لم يكن مجرد نشاط نظري، بل استند إلى سيناريو افتراضي وُصف بأنه “واقعي للغاية”، تم خلاله محاكاة هجمات تشمل استهداف شبكات الكهرباء بهجمات إلكترونية، واستخدام طائرات مسيّرة بطرق غير قانونية، إضافة إلى عمليات تخريب ميدانية، وهي تهديدات أصبحت تمثل جوهر المخاطر الأمنية الحديثة التي تواجهها الدول الأوروبية، ما يفرض تطوير أدوات استجابة مرنة وسريعة تتجاوز النماذج التقليدية للحروب.
ورغم عدم الكشف عن تفاصيل دقيقة حول نتائج المناورة لأسباب تتعلق بالسرية، إلا أن الهدف الأساسي منها يتمثل في تقييم فعالية آليات التنسيق بين الدول الأعضاء، وتحديد نقاط الضعف المحتملة، تمهيدًا لوضع خطة متكاملة لتعزيز هذا البند الدفاعي، الذي يُعد أحد أهم أدوات الاتحاد الأوروبي في حال تعرض أي دولة عضو لهجوم مباشر.
وتأتي هذه التحركات في سياق أوسع من التوترات الجيوسياسية، حيث تسعى أوروبا إلى تقليل اعتمادها الأمني على الولايات المتحدة، خاصة في ظل تراجع الثقة داخل حلف الناتو نتيجة مواقف الرئيس الأمريكي Donald Trump، وهو ما دفع قادة أوروبيين إلى الدعوة لتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، ومن بينهم المستشار الألماني Friedrich Merz الذي شدد سابقًا على أهمية تطوير آليات أوروبية مستقلة خلال مؤتمر ميونخ للأمن.
وفي هذا الإطار، لا يُنظر إلى بند الدفاع المشترك كبديل كامل عن الناتو، بل كأداة مكمّلة يمكن استخدامها في حالات تعذر تحرك الحلف، مثل وقوع خلافات سياسية أو استخدام حق النقض من قبل الولايات المتحدة، كما يمكن للاتحاد الأوروبي أن يلعب دورًا إضافيًا عبر أدوات غير عسكرية، مثل فرض ضغوط اقتصادية أو دبلوماسية على الجهات المعادية، وهو ما يمنحه مرونة أكبر في إدارة الأزمات.
ويستند هذا البند، المعروف بالمادة 42.7 من معاهدة الاتحاد الأوروبي، إلى التزام صريح بأن تقدم الدول الأعضاء “كل ما في وسعها” لمساعدة أي دولة تتعرض لهجوم مسلح، وهو نص يُعتبر في بعض الجوانب أكثر صرامة من المادة الخامسة في معاهدة الناتو، التي تترك لكل دولة حرية تحديد شكل الدعم الذي تقدمه.
تاريخيًا، لم يتم تفعيل هذا البند سوى مرة واحدة فقط، وذلك بعد الهجمات الإرهابية التي شهدتها باريس عام 2015، حين طلبت فرنسا دعم شركائها الأوروبيين، ما أدى إلى مشاركة دول مثل ألمانيا بشكل أكبر في العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، من خلال مهام استطلاع ودعم عسكري مباشر.
وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء النمساوية APA، فإن هذه المناورة تمثل مؤشرًا واضحًا على أن الاتحاد الأوروبي يتجه نحو إعادة تعريف دوره الأمني، ليس فقط كشريك ضمن تحالفات قائمة، بل كفاعل مستقل قادر على إدارة الأزمات والتعامل مع التهديدات الحديثة بشكل مباشر ومنسق.
النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد.



