النمسا الآن الإخبارية – النمسا السفلى
كشفت الحصيلة السنوية لمراكز الاستشارات المالية الخاصة بالديون في ولاية النمسا السفلى عن واقع مالي واجتماعي مقلق يطال آلاف الأشخاص من مختلف الفئات العمرية، بعدما تبين أن الأزمات المالية لم تعد مرتبطة بعمر محدد أو طبقة اجتماعية بعينها، بل أصبحت تمتد من الشباب بعمر 18 عامًا وصولًا إلى كبار السن بعمر 89 عامًا، في مؤشر وصفه مختصون بأنه يعكس تصاعد الضغوط الاقتصادية والمعيشية بشكل غير مسبوق داخل الولاية، خصوصًا مع استمرار ارتفاع تكاليف الحياة وتزايد حالات البطالة والتعثر المالي بين الأسر ذات الدخل المحدود، حيث أوضحت البيانات أن البطالة ما تزال من أبرز الأسباب المرتبطة بالدخول في دوامة الديون، إذ إن أكثر من ثلث الأشخاص الذين راجعوا مراكز الاستشارات المالية كانوا من العاطلين عن العمل، بينما أشارت الإحصاءات إلى أن نسبة العاطلين الموجودين داخل برامج الاستشارات المالية تكاد تكون أعلى بخمس مرات مقارنة بنسبة العاطلين ضمن المجتمع ككل، ما يعكس الترابط المباشر بين فقدان العمل والانهيار المالي التدريجي للأسر والأفراد.
وبحسب ما نقلته صحيفة “هويتِه” عن بيانات شركة الاستشارات المالية ASB Schuldnerberatungen GmbH، فإن نحو أربعة آلاف شخص لجأوا خلال عام 2025 إلى خدمات الاستشارات الخاصة بالديون في ولاية النمسا السفلى، حيث بلغت نسبة الرجال 59 بالمئة مقابل 41 بالمئة من النساء، بينما تركزت النسبة الأكبر من المراجعين ضمن الفئة العمرية المتوسطة بين 41 و45 عامًا، وهي الفئة التي غالبًا ما تكون مرتبطة بالتزامات مالية مرتفعة تشمل الإيجارات والقروض وتكاليف المعيشة ورعاية الأطفال والمصاريف اليومية، الأمر الذي يجعل أي أزمة عمل أو انخفاض في الدخل سببًا مباشرًا للدخول في أزمة مالية معقدة يصعب الخروج منها سريعًا.
وأظهرت الحصيلة السنوية أيضًا أن متوسط الديون لدى الأشخاص الذين طلبوا الاستشارة بلغ 77 ألفًا و386 يورو و85 سنتًا، وهو رقم ضخم رغم أنه أقل بحوالي تسعة آلاف يورو مقارنة بالعام السابق، في حين تبين أن الرجال يسجلون متوسط مديونية أعلى بكثير من النساء، إذ وصل متوسط ديون الرجال إلى نحو 87 ألفًا و692 يورو، بينما بلغ متوسط ديون النساء حوالي 62 ألفًا و767 يورو، وهو فارق اعتبره مختصون مرتبطًا بطبيعة الالتزامات المالية والقروض طويلة الأمد والنشاطات الاقتصادية المختلفة بين الجنسين، إضافة إلى تأثيرات فقدان الوظائف وتراجع القدرة الشرائية خلال السنوات الأخيرة.
وفي الجانب السياسي والاجتماعي، شددت مسؤولة الشؤون الاجتماعية في الولاية Christiane Teschl-Hofmeister على أن الجهات الحكومية لا تستطيع وحدها احتواء جميع الأزمات الاقتصادية التي يمر بها المواطنون، مؤكدة أن مراكز الاستشارات المالية تؤدي دورًا بالغ الأهمية في إعادة تنظيم الحياة المالية للأشخاص المتضررين، وأوضحت أن معظم المراجعين لم يصلوا إلى هذه المرحلة بسبب قرارات متعمدة أو سوء إدارة فقط، بل نتيجة ظروف معيشية وضغوط اقتصادية خارجة عن إرادتهم، مشيرة إلى أن هذه المراكز تمتلك الخبرات اللازمة لإيجاد حلول وفرص جديدة تساعد الأشخاص على استعادة الاستقرار المالي تدريجيًا ومنع انهيار أوضاعهم بالكامل.
وفي محاولة لمعالجة جذور المشكلة، أعلنت السلطات في النمسا السفلى عن التركيز بشكل أكبر على رفع مستوى الثقافة المالية لدى الشباب والنساء، حيث جرى مضاعفة الدعم المخصص لبرامج “رخصة الثقافة المالية” بين عامي 2024 و2025، إلى جانب إطلاق برامج توعية خاصة بالنساء تحت عنوان “النساء والمال – لنتحدث عن المال”، وذلك بهدف رفع مستوى المعرفة المتعلقة بالإدارة المالية والقروض والإنفاق والتخطيط الاقتصادي، كما دعت الجهات الرسمية إلى إدخال مواد أوسع تتعلق بالاقتصاد والإدارة المالية ضمن المناهج الدراسية من أجل تقليل احتمالات الوقوع في الأزمات المالية مستقبلًا.
من جهتها، أوضحت المسؤولة Eva Prischl أن الطريق نحو الديون غالبًا لا يبدأ بشكل مفاجئ، بل يتطور بصورة تدريجية وصامتة مع تراكم الفواتير والالتزامات وانخفاض الدخل، مؤكدة أن الحصيلة السنوية أثبتت مدى أهمية وجود خدمات مجانية وسهلة الوصول للأشخاص الذين يواجهون أزمات مالية معقدة، خاصة أن الأسر ذات الدخل المحدود تبقى الأكثر عرضة لخطر الانهيار المالي، لأن ضعف الدخل يجعل الخروج من الديون عملية طويلة وصعبة للغاية حتى مع وجود خطط دعم واستشارات متخصصة.
وفي تقييمه للوضع، أكد مدير مركز الاستشارات المالية في النمسا السفلى Michael Lackenberger أن عدد الموظفين العاملين في الفروع الخمسة التابعة للمؤسسة بلغ 41 موظفًا خلال عام 2025، موضحًا أن عدد الأشخاص الذين تتم متابعتهم انخفض إلى نحو 9 آلاف و23 شخصًا، إلا أن القضايا نفسها أصبحت أكثر تعقيدًا وتحتاج إلى جهد ووقت أكبر بكثير مقارنة بالسنوات الماضية، وهو ما انعكس على حجم التدخلات والإجراءات التي قامت بها المراكز، حيث سجلت المؤسسة رقمًا قياسيًا جديدًا بلغ 36 ألفًا و218 تدخلًا ماليًا وإجرائيًا خلال عام واحد فقط، بينما وصلت بعض الفروع مثل Hollabrunn وWiener Neustadt إلى حدود قدرتها التشغيلية بسبب الضغط المتزايد وتعقيد الملفات المالية المطروحة.
النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد.



