النمسا الآن الإخبارية – النمسا
دعا رئيس هيئة سوق العمل النمساوية AMS، Johannes Kopf، إلى الاستفادة بصورة أكبر من المهارات والخبرات المهنية التي يمتلكها اللاجئون الموجودون بالفعل في النمسا، وقدم السوريين مثالًا مباشرًا على الأشخاص الذين قد تكون لديهم سنوات طويلة من الخبرة العملية من دون امتلاك شهادة رسمية معترف بها، معتبرًا أن إدخالهم سريعًا في وظائف بسيطة ليس بالضرورة الحل الأفضل لسوق العمل على المدى الطويل.
وطرح Kopf مثالًا واضحًا يتعلق بالسوريين، موضحًا أن شخصًا عمل لمدة 15 عامًا في سوريا في مجال إصلاح السيارات، لكنه لا يحمل شهادة رسمية تثبت خبرته، يمكن من حيث المبدأ توظيفه سريعًا في عمل بسيط، إلا أن رئيس AMS يرى أن الخيار الأكثر جدوى يتمثل في تطوير مستواه في اللغة الألمانية وتمكينه من استكمال تدريب مهني والحصول على شهادة معترف بها، بما يسمح باستخدام خبرته الفعلية في وظيفة تتناسب بصورة أفضل مع مؤهلاته.
ويأتي طرح رئيس AMS في وقت تواجه فيه النمسا مفارقة واضحة في سوق العمل، إذ يوجد نحو 364 ألف عاطل عن العمل، بينما لا تزال الشركات تعاني نقصًا في العمالة المتخصصة، وتقدر غرفة الاقتصاد النمساوية حجم النقص في القوى العاملة المؤهلة بنحو 150 ألف شخص.
وبحسب ما أوردته صحيفة Heute نقلًا عن مقابلة أجراها Johannes Kopf مع Salzburger Nachrichten، كان لدى AMS في نهاية يوليو 79,770 وظيفة شاغرة مسجلة رسميًا، بينما يقدر رئيس الهيئة أن هناك عددًا مماثلًا تقريبًا من الوظائف غير المسجلة لدى AMS، ما يرفع العدد الفعلي للوظائف المطلوب شغلها في أنحاء النمسا إلى نحو 160 ألف وظيفة.
لكن وجود نحو 364 ألف عاطل عن العمل مقابل نحو 160 ألف وظيفة شاغرة لا يعني، وفق Kopf، إمكانية سد النقص مباشرة من خلال الأشخاص المسجلين كباحثين عن عمل، لأن الوظائف المتاحة والباحثين عن العمل لا يتطابقون دائمًا، وتتركز المشكلة بصورة أساسية في عاملين هما مكان الإقامة ومستوى التأهيل.
وتظهر المشكلة الأولى في التوزيع الجغرافي، إذ توجد أعداد كبيرة من الوظائف الشاغرة في ولايات Oberösterreich وSalzburg وTirol وأجزاء من Steiermark، بينما يعيش عدد كبير من الباحثين عن العمل في فيينا. ووفق Kopf، أدى هذا الاختلال إلى وصول معدل البطالة في فيينا حاليًا إلى نحو ثلاثة أضعاف المعدل المسجل في Salzburg.
وفي هذا السياق، كان رئيس AMS قد طرح سابقًا فكرة فرض التزام مؤقت بمكان الإقامة على اللاجئين، بهدف الحد من تركزهم في مناطق معينة وربط توزيعهم بالمناطق التي تحتاج إلى قوى عاملة.
وأشار بصورة خاصة إلى Kärnten، التي يتوقع أن تتأثر بقوة خلال السنوات المقبلة بالتغيرات الديموغرافية ونقص العمالة، وطرح في هذا السياق فكرة توزيع عائلات لاجئة موجودة في فيينا على بلديات الولاية، قائلًا بصيغة مباشرة إنه يقترح “عائلة لاجئة من فيينا لكل بلدية في Kärnten”، معتبرًا أن الاندماج في مثل هذه الحالة لن يكون مشكلة.
ولا يحدد المصدر أن العائلات المقصودة بهذا الاقتراح سورية، بل يتحدث Kopf عن اللاجئين بصورة عامة. إلا أن السوريين يظهرون بصورة مباشرة في الجزء المتعلق بكيفية التعامل مع الخبرات المهنية للاجئين البالغين، حيث استخدم رئيس AMS العامل السوري الذي أمضى 15 عامًا في إصلاح السيارات مثالًا على ضرورة عدم تجاهل الخبرة المهنية لمجرد عدم وجود شهادة رسمية.
ويرى Kopf أن نقص التأهيل يمثل عقبة أكبر من التوزيع الجغرافي في بعض الحالات، إذ إن نحو نصف الباحثين عن العمل المسجلين لدى AMS لا يمتلكون سوى شهادة التعليم الإلزامي. وفي الوقت نفسه تبحث الشركات عن عمال متخصصين يمتلكون مؤهلات محددة، ما يخلق فجوة بين الأشخاص الباحثين عن وظائف ونوعية الوظائف التي تحتاج إليها الشركات.
كما أن وجود تدريب أو خبرة سابقة لدى الباحث عن العمل لا يعني تلقائيًا توافقها مع احتياجات الشركات، ولهذا أكد رئيس AMS أن الحل في القطاعات التي تعاني نقصًا في العمالة المتخصصة يتمثل في التأهيل.
وتبرز هنا أهمية المثال السوري الذي قدمه Kopf، إذ يعكس مشكلة الاعتراف بالمهارات العملية التي اكتسبها بعض اللاجئين قبل وصولهم إلى النمسا. فالعامل الذي مارس مهنة إصلاح السيارات في سوريا طوال 15 عامًا يمتلك، وفق المثال الذي عرضه رئيس AMS، خبرة عملية طويلة، لكن غياب المؤهل الرسمي قد يمنعه من الاستفادة الكاملة منها في سوق العمل النمساوية.
وبدلًا من توجيه مثل هذا الشخص بصورة سريعة نحو وظيفة بسيطة لا تستفيد من خبرته، يرى Kopf أن الاستثمار في اللغة الألمانية واستكمال التدريب المهني والحصول على شهادة يمكن أن يؤدي إلى نتيجة أفضل، سواء بالنسبة إلى العامل نفسه أو لسوق العمل الذي يبحث عن أشخاص مؤهلين.
وتندرج هذه الرؤية ضمن توجه أوسع لدى رئيس AMS يدعو إلى الاعتماد بصورة أكبر على اللاجئين الموجودين بالفعل في النمسا بوصفهم جزءًا محتملًا من القوى العاملة، بدل حصر النقاش المتعلق بهم في ملف الاندماج فقط.
ويبلغ عدد اللاجئين المسجلين حاليًا لدى AMS نحو 40 ألف شخص، وأكثر من ربعهم تقل أعمارهم عن 25 عامًا. وهذه الأرقام تشمل اللاجئين المسجلين بصورة عامة ولا تعني وجود 40 ألف سوري مسجل لدى الهيئة.
ويرى Kopf إمكانات كبيرة بصورة خاصة لدى اللاجئين الشباب، ويقدر أن نصفهم على الأقل يمكن أن ينجح في إكمال تدريب مهني والحصول على شهادة مهنية، ما يمنحهم فرصًا أفضل للدخول إلى سوق العمل في وظائف مؤهلة بدل البقاء في وظائف بسيطة أو خارج سوق العمل.
وانتقد رئيس AMS في الوقت نفسه ما يعتبره اختلافًا في طريقة النقاش حول الهجرة إلى النمسا. فعندما تستقدم البلاد عاملًا متخصصًا من الخارج، يجري الحديث عنه باعتباره قوة عاملة، بينما يتركز النقاش بشأن اللاجئين بصورة شبه كاملة على الاندماج، رغم وجود أشخاص بينهم يمكن تأهيلهم وإدخالهم إلى سوق العمل.
ويكتسب هذا النقاش أهمية إضافية في ضوء التوقعات الديموغرافية طويلة الأجل، إذ يتوقع Kopf أن يفتقد سوق العمل النمساوي بحلول عام 2050 نحو 120 ألف شخص من القوى العاملة، لكن التوزيع الإقليمي يكشف عن فجوة أكبر بكثير بين فيينا وبقية الولايات.
فبحسب توقعاته، يمكن أن يرتفع عدد القوى العاملة في فيينا بنحو 160 ألف شخص حتى عام 2050، بينما ستفقد بقية الولايات مجتمعة نحو 280 ألف شخص من القوى العاملة، الأمر الذي يجعل نقل وتوزيع القوى البشرية المتاحة داخل النمسا، إلى جانب تأهيلها، عنصرًا مهمًا في مواجهة النقص المتوقع.
كما لا يرى Kopf أن استقدام العمالة المؤهلة من الخارج عبر بطاقة Rot-Weiß-Rot-Karte سيكون كافيًا وحده لحل المشكلة. ففي المتوسط طويل الأجل يدخل نحو 3 آلاف شخص سنويًا عبر هذا النظام، لكن صافي الزيادة يبلغ نحو 1,500 شخص فقط، فيما يتجه نحو 40 في المئة منهم إلى فيينا.
وحذر رئيس AMS من أن النمسا تدخل في منافسة دولية على العمالة المؤهلة مع دول مثل الولايات المتحدة واليابان وبريطانيا، وهي دول تمتلك موارد وإمكانات مختلفة، كما أن استخدام اللغة الإنجليزية يمنح بعضها ميزة إضافية مقارنة بالنمسا التي يحتاج القادم إليها في معظم الحالات إلى تعلم اللغة الألمانية.
ولهذا يركز Kopf على الإمكانات الموجودة أصلًا داخل البلاد، بما في ذلك اللاجئون، ويظهر السوريون في طرحه كنموذج واضح لأشخاص قد يحملون خبرات مهنية طويلة اكتسبوها قبل وصولهم إلى النمسا، لكن الاستفادة منها تتطلب تطوير اللغة والحصول على مؤهلات رسمية معترف بها بدل الاكتفاء بإرسالهم إلى أعمال بسيطة.
«النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد.»




