النمسا الآن الإخبارية – النمسا
كشف تقرير صادر عن محكمة المدققين الأوروبية عن أوجه قصور كبيرة في مكافحة تجارة التبغ غير القانونية داخل الاتحاد الأوروبي، في وقت تشير فيه التقديرات إلى خسارة الاتحاد ودوله الأعضاء نحو 13 مليار يورو سنويًا من إيرادات الميزانيات بسبب تصنيع السجائر بصورة غير قانونية أو تهريبها.
ويشير التقرير إلى أن السوق السوداء لمنتجات التبغ تشهد توسعًا، بينما لا تزال الإجراءات التي تتخذها المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء لمواجهتها تعاني من مشكلات تتعلق بالتنسيق والتخطيط والتعاون عبر الحدود.
وبحسب ما أوردته صحيفة Heute، خلصت محكمة المدققين الأوروبية إلى أن التدابير الحالية التي تعتمدها المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء لا تستند إلى أساس متين بما يكفي، وأن المبادرات القائمة غير منسقة وتفتقر إلى اتجاه واضح.
كما انتقد المدققون الأوروبيون غياب نهج مشترك ومتناسق بين الجهات المعنية، في حين لا يزال التعاون العابر للحدود يعاني من ثغرات.
وتكتسب هذه المشكلات أهمية مالية كبيرة بالنظر إلى حجم سوق السجائر غير القانونية داخل الاتحاد الأوروبي.
فوفقًا للخبراء الذين استند إليهم التقرير، أصبحت نحو واحدة من كل عشر سجائر متاحة في سوق الاتحاد الأوروبي تُصنع بصورة غير قانونية أو تدخل عبر التهريب.
ويؤدي ذلك إلى خسارة مالية سنوية تقدر بنحو 13 مليار يورو بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء.
ولا تقتصر النتائج، وفق التقرير، على الخسائر المالية والضريبية، إذ إن تصنيع منتجات التبغ غير القانونية وتهريبها يؤثران أيضًا بصورة سلبية على الصحة العامة والأمن داخل الاتحاد الأوروبي.
تحول في استراتيجية الجماعات الإجرامية
ويكشف التقرير عن تطور مهم في طريقة عمل الجماعات الإجرامية المنظمة المتورطة في تجارة السجائر غير القانونية.
فبدل الاعتماد فقط على إنتاج السجائر خارج الاتحاد الأوروبي ثم تهريبها عبر الحدود، بدأت جماعات إجرامية خلال السنوات الماضية بنقل مواقع الإنتاج من أوكرانيا إلى داخل أراضي الاتحاد الأوروبي نفسه.
ويهدف هذا التحول، بحسب التقرير، إلى تقصير سلاسل التوريد والوصول إلى المستهلكين بصورة أكثر مباشرة.
وبذلك أصبحت السلطات الأوروبية لا تواجه فقط مشكلة التهريب التقليدي عبر الحدود الخارجية، وإنما أيضًا انتشار مصانع غير قانونية داخل السوق الأوروبية الموحدة.
وفي الوقت الذي يستمر فيه التهريب التقليدي عبر الحدود، تتوسع عمليات التصنيع غير القانوني داخل الاتحاد.
وتشير المعلومات إلى أن السلطات اكتشفت مواقع إنتاج غير قانونية للسجائر في جميع دول الاتحاد الأوروبي تقريبًا.
ويعكس ذلك انتقال جزء من النشاط الإجرامي من نموذج يقوم على إدخال المنتجات الجاهزة من الخارج إلى نموذج يتم فيه تصنيعها بالقرب من الأسواق المستهدفة داخل الاتحاد نفسه.
مليون سيجارة في الساعة داخل مصنع واحد
وتظهر القدرات الإنتاجية لبعض الشبكات الإجرامية حجم التطور الصناعي الذي وصلت إليه تجارة السجائر غير القانونية.
واستشهدت محكمة المدققين الأوروبية بحالتين محددتين لإظهار حجم هذه القدرات.
ففي بلجيكا، تمكن المحققون من تفكيك منشأة إنتاج كبيرة كانت آلاتها قادرة، كل منها، على تصنيع نحو مليون سيجارة في الساعة.
ويشير هذا الرقم إلى أن الأمر لا يتعلق فقط بورش صغيرة أو عمليات محدودة، بل بمنشآت تمتلك قدرة على الإنتاج الصناعي بكميات ضخمة.
أما في إسبانيا، فاكتشفت السلطات أكبر مصنع غير قانوني للسجائر يتم العثور عليه في البلاد حتى ذلك الوقت.
وضبطت السلطات داخل العملية نحو ثلاثة ملايين علبة من السجائر المزيفة.
ولإظهار حجم هذه الكمية، أورد التقرير مقارنة حسابية تفيد بأن وضع العلب المضبوطة فوق بعضها سيصل إلى ارتفاع يعادل نحو 56 ضعف ارتفاع جبل إيفرست.
وتقدم الحالتان في بلجيكا وإسبانيا مثالًا على حجم عمليات الإنتاج والتوزيع التي تستطيع الشبكات الإجرامية تشغيلها داخل الاتحاد الأوروبي.
من التهريب الخارجي إلى التصنيع داخل أوروبا
وتتمثل إحدى أبرز نتائج التقرير في أن طبيعة المشكلة تغيرت خلال السنوات الأخيرة.
فبينما يستمر تهريب السجائر عبر الحدود، أصبحت عمليات الإنتاج داخل دول الاتحاد نفسها أكثر انتشارًا.
ويقول التقرير إن الجماعات الإجرامية المنظمة نقلت منشآت إنتاج من أوكرانيا إلى داخل الاتحاد الأوروبي لتقليل المسافات بين المصانع والأسواق المستهدفة.
ويتيح الإنتاج داخل الاتحاد تقصير سلسلة التوريد، كما يمنح الشبكات وصولًا أكثر مباشرة إلى المستهلكين.
ولهذا فإن الاعتماد فقط على الرقابة التقليدية على الحدود لا يكفي لمواجهة المشكلة، لأن جزءًا من السجائر غير القانونية أصبح يُنتج بالفعل داخل الأراضي الأوروبية.
وتزيد هذه الاستراتيجية من أهمية التعاون بين أجهزة الدول الأعضاء، لأن المصانع وشبكات التوزيع والمنتجات يمكن أن تتحرك داخل السوق الأوروبية عبر الحدود الوطنية.
لكن محكمة المدققين ترى أن التعاون العابر للحدود لا يزال غير مكتمل ويعاني من ثغرات.
انتقادات للمفوضية والدول الأعضاء
ولا يحمل التقرير المسؤولية لطرف واحد فقط.
فالانتقادات تتناول الإجراءات التي تتخذها المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء معًا.
ويرى المدققون أن التدابير الحالية تفتقر إلى أساس قوي، وأن المبادرات غير منسقة ولا تمتلك توجهًا واضحًا بما يكفي.
كما يشير التقرير إلى نقص في النهج المشترك بين الجهات المختلفة التي يفترض أن تعمل على مكافحة تجارة التبغ غير القانونية.
وتظهر خطورة هذه الثغرات عند مقارنتها بحجم السوق غير القانونية المقدرة.
فإذا كانت قرابة واحدة من كل عشر سجائر في السوق الأوروبية تُصنع أو تُهرب بصورة غير قانونية، فإن الظاهرة أصبحت تمثل جزءًا ملموسًا من سوق التبغ داخل الاتحاد.
ويضاف إلى ذلك فقدان نحو 13 مليار يورو من الإيرادات العامة كل عام.
وهذه الخسارة لا تقع على ميزانية الاتحاد الأوروبي وحدها، وإنما تشمل أيضًا ميزانيات الدول الأعضاء.
أضرار مالية وصحية وأمنية
ويركز التقرير على ثلاثة أبعاد أساسية للمشكلة.
الأول هو البعد المالي، المتمثل في الإيرادات التي لا تحصل عليها السلطات نتيجة السوق غير القانونية.
والثاني يتعلق بـالصحة العامة، إذ يرى التقرير أن تصنيع وتهريب منتجات التبغ غير القانونية يتركان آثارًا سلبية في هذا المجال.
أما البعد الثالث فيتعلق بـأمن الاتحاد الأوروبي، بالنظر إلى ارتباط عمليات التصنيع والتهريب بجماعات إجرامية منظمة.
ويعني ذلك أن مكافحة هذه التجارة ليست بالنسبة إلى المؤسسات الأوروبية مجرد قضية ضرائب أو رسوم جمركية، وإنما قضية تجمع بين حماية الإيرادات العامة ومكافحة الجريمة وحماية الصحة.
مصانع في جميع دول الاتحاد تقريبًا
ومن أكثر المؤشرات اللافتة في التقرير أن منشآت غير قانونية لإنتاج التبغ تم اكتشافها في جميع دول الاتحاد الأوروبي تقريبًا.
ويعكس ذلك اتساع النطاق الجغرافي للمشكلة وعدم اقتصارها على مجموعة محدودة من الدول الواقعة عند الحدود الخارجية للاتحاد.
كما أن نقل جماعات إجرامية منشآت إنتاجها من أوكرانيا إلى داخل الاتحاد يوضح قدرتها على تغيير أساليب العمل استجابة لإجراءات الرقابة والملاحقة.
فبدل نقل كميات كبيرة من المنتجات النهائية لمسافات طويلة، أصبحت بعض الشبكات تعمل على تقريب الإنتاج من المستهلك النهائي.
ويأتي ذلك بالتوازي مع استمرار طرق التهريب التقليدية، ما يضع السلطات أمام شكلين من النشاط في الوقت نفسه: التهريب عبر الحدود والإنتاج غير القانوني داخل السوق الأوروبية.
محكمة المدققين الأوروبية تنتقد الوضع
وتتخذ محكمة المدققين الأوروبية من لوكسمبورغ مقرًا لها، وتعمل باعتبارها هيئة التدقيق المستقلة التابعة للاتحاد الأوروبي.
وتتمثل مهمتها في مراقبة تحصيل أموال الاتحاد بصورة صحيحة والتحقق من الاستخدام الاقتصادي والسليم للأموال الأوروبية.
ومن هذا المنطلق، جاء تقييمها للإجراءات الأوروبية في مكافحة تجارة التبغ غير القانونية، مع تركيز خاص على الخسائر المالية والقصور في التنسيق.
وتخلص الصورة التي يقدمها التقرير إلى وجود فجوة بين تطور قدرات الجماعات الإجرامية من جهة، ومستوى التنسيق الأوروبي لمواجهتها من جهة أخرى.
فالشبكات الإجرامية أصبحت قادرة على تشغيل مصانع ضخمة داخل الاتحاد، والوصول إلى طاقات إنتاج تصل في بعض الحالات إلى مليون سيجارة في الساعة لكل آلة، بينما ينتقد المدققون غياب استراتيجية أوروبية منسقة بما يكفي.
وفي الوقت نفسه، تخسر الميزانيات العامة نحو 13 مليار يورو سنويًا، وتقدر نسبة السجائر المصنعة أو المهربة بصورة غير قانونية بنحو واحدة من كل عشر سجائر متاحة في السوق الأوروبية.
ويبرز المثال الإسباني حجم التجارة بصورة إضافية، بعدما صادرت السلطات ثلاثة ملايين علبة سجائر مزيفة في أكبر مصنع غير قانوني اكتُشف في البلاد، بينما أظهرت القضية البلجيكية وجود قدرات إنتاج صناعية هائلة لدى الشبكات المتورطة.
وبذلك يحذر التقرير من أن مكافحة السوق السوداء للسجائر تحتاج إلى مواجهة واقع جديد لم يعد فيه النشاط الإجرامي قائمًا فقط على تهريب السجائر إلى الاتحاد الأوروبي، بل أصبح يشمل تصنيع كميات ضخمة منها داخل الاتحاد نفسه.
النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد.




