النمسا الآن الإخبارية – فيينا
حذر خبراء دوليون خلال مؤتمر عُقد في العاصمة النمساوية فيينا من تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي في استدراج ضحايا الاتجار بالبشر، خصوصًا من خلال عروض العمل المزيفة والرسائل الإلكترونية المصممة لكسب ثقة الأشخاص واستغلال ظروفهم.
كما ناقش المشاركون الصعوبات التي تواجه الضحايا عند طلب الحماية والمساعدة، بما في ذلك العقبات الإدارية المرتبطة بقوانين الهجرة، والحاجة إلى توفير دعم نفسي وطبي طويل الأمد للأشخاص الذين تعرضوا للاستغلال.
وجاءت هذه التحذيرات خلال المؤتمر العشرين لمكافحة الاتجار بالبشر في فيينا، الذي انعقد يوم الخميس 15 أكتوبر 2026 في الأكاديمية الدبلوماسية، بمشاركة أكثر من 200 شخص من الدبلوماسيين وممثلي المنظمات الدولية والمؤسسات غير الحكومية والخبراء في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وبحسب تقرير للصحفي كليمنس تشيرني (Clemens Cerny)، نُشر في صحيفة Der Standard بتاريخ 20 أكتوبر 2026، حمل المؤتمر شعار «تحديات جديدة – استجابات جديدة».
الذكاء الاصطناعي يسهل الوصول إلى الضحايا
ناقش المشاركون كيف غيّرت التكنولوجيا الأساليب التي تستخدمها الشبكات الإجرامية للوصول إلى الأشخاص المحتمل استغلالهم.
ففي السابق، كان استدراج الضحايا يعتمد في كثير من الحالات على التواصل الشخصي المباشر، وبناء الثقة عبر اللقاءات والعلاقات الاجتماعية.
أما اليوم، فيمكن للمجرمين استخدام منصات التواصل الاجتماعي والأدوات الرقمية للتواصل مع أعداد كبيرة من الأشخاص خلال وقت قصير.
وأوضحت هيذر كوميندا (Heather Komenda)، الخبيرة في حماية المهاجرين، أن الذكاء الاصطناعي يتيح إنشاء رسائل وإعلانات تبدو احترافية وموثوقة، رغم أن الغرض منها قد يكون خداع الأشخاص واستدراجهم.
ومن أبرز الأساليب التي ناقشها المؤتمر نشر عروض عمل مزيفة تبدو وكأنها صادرة عن جهات توظيف حقيقية.
وقد يستهدف هذا النوع من الاحتيال أشخاصًا يبحثون عن فرص عمل أو تحسين ظروفهم المعيشية، قبل أن يجدوا أنفسهم عرضة للاستغلال.
كيف يُستهدف الأطفال والمراهقون؟
لم تقتصر المخاطر التي تناولها المؤتمر على البالغين.
فبحسب كوميندا، قد يستخدم بعض المجرمين عروضًا تبدو جذابة للأطفال والمراهقين، مثل الحصول على عملات افتراضية رخيصة داخل ألعاب الفيديو.
ويكون الهدف الأول دفع الطفل إلى مشاركة بياناته الشخصية.
وبعد الحصول على هذه المعلومات، قد يبدأ الطرف الآخر بطرح أسئلة أكثر خصوصية، أو طلب صور شخصية.
وقد تُستخدم المعلومات والصور لاحقًا في ممارسة الضغط أو الابتزاز.
وحذرت الخبيرة من أن هذا النوع من الاستدراج يمكن أن يجعل الأطفال أكثر عرضة للاستغلال من جانب شبكات إجرامية.
ولا تعني هذه التحذيرات أن جميع عروض الألعاب الإلكترونية أو الاتصالات عبر الإنترنت مرتبطة بالاتجار بالبشر، لكنها توضح أهمية الانتباه للجهات المجهولة التي تطلب معلومات شخصية أو صورًا خاصة.
هل يمكن الاعتماد على روبوتات الذكاء الاصطناعي لطلب المساعدة؟
تناول المؤتمر جانبًا آخر من تأثير الذكاء الاصطناعي، يتعلق بالأشخاص الذين يلجؤون إلى أدوات المحادثة الرقمية للحصول على المشورة.
فقد يستخدم شخص معرض للاستغلال برامج مثل ChatGPT أو Gemini أو Claude للبحث عن معلومات تتعلق بحقوقه أو الجهات التي يمكنه طلب المساعدة منها.
لكن المشاركين حذروا من الاعتماد الحصري على هذه الأدوات في المواقف الحساسة.
وأوضح التقرير أن بعض الإجابات قد تكون عامة أو غير دقيقة، خصوصًا عندما لا يمتلك النظام معلومات كافية عن مكان الشخص، ووضعه القانوني، والجهات المحلية المتاحة لمساعدته.
كما يمكن أن تكون المعلومات المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي غير صحيحة أو غير مناسبة للحالة الفردية.
ولهذا ناقشت منظمات المساعدة ضرورة توفير معلومات موثوقة داخل المنصات الرقمية التي يستخدمها الأشخاص أصلًا للبحث عن الدعم.
ويهدف هذا التوجه إلى تسهيل الوصول إلى جهات الحماية المتخصصة بدل ترك الأشخاص المعرضين للخطر يعتمدون على معلومات قد تكون ناقصة.
ناجٍ من الاتجار بالبشر يروي تجربته
شارك في المؤتمر الناشط سوسا هينكوما (Sosa Henkoma)، الذي تحدث عن تجربته الشخصية بوصفه أحد الناجين من الاتجار بالبشر.
وبحسب التقرير، انتقل هينكوما من نيجيريا إلى لندن عندما كان في التاسعة من عمره.
وبعد محاولته الابتعاد عن زوجة والده التي وصفها بأنها كانت تمارس العنف ضده، تعرض للاستدراج من خلال علاقة صداقة مزيفة.
وانتهى الأمر باستغلاله من جانب شبكة لتجارة المخدرات، نقلته بين مناطق مختلفة في بريطانيا وأجبرته على العمل في نقل المخدرات.
وخلال تلك الفترة، تعرض لأشكال خطيرة من العنف، شملت الضرب والطعن وإصابته بطلقات نارية مرتين.
وأكد هينكوما أن معاناة ضحايا الاتجار بالبشر لا تنتهي بالضرورة بمجرد إنقاذهم أو إدانة المسؤولين عن استغلالهم.
الضحايا يحتاجون إلى دعم نفسي طويل الأمد
شدد المشاركون على ضرورة التعامل مع الآثار النفسية والاجتماعية التي يمكن أن تستمر بعد انتهاء الاستغلال.
فبعض الناجين يعانون من الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، وقد يحتاجون إلى متابعة نفسية واجتماعية طويلة الأمد.
وأوضح هينكوما أهمية مساعدة الضحايا على بناء حياة جديدة، والشعور بأن لديهم هدفًا ودورًا في المجتمع.
كما أكد آرون جاي مانغو (Aaron J. Mango)، وهو نائب مدعٍ عام من ولاية نيويورك الأمريكية، ضرورة الاستماع إلى تجارب الناجين وإشراكهم في النقاشات المتعلقة بالحماية والوقاية.
وأشار أيضًا إلى أن جهود منع الاتجار بالبشر ينبغي ألا تركز على جنسيات أو مجموعات عرقية معينة، بل على الأشخاص الذين تجعلهم ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية أكثر عرضة للاستغلال.
العقبات البيروقراطية تعرقل مساعدة بعض الضحايا
ناقش المؤتمر التحديات التي تواجه المنظمات المتخصصة عند تقديم المساعدة للضحايا، خاصة الأشخاص الذين تعرضوا للاستغلال أثناء الهجرة أو النزوح.
وقالت تمارا شميدت (Tamara Schmidt)، المشاركة في إدارة مؤسسة LEFÖ-IBF المعترف بها في النمسا لحماية ضحايا الاتجار بالنساء، إن الحالات التي تتعامل معها المؤسسات أصبحت أكثر تعقيدًا وتنوعًا.
وأوضحت أن زيادة عدد الحالات المكتشفة تجعل الحاجة إلى دعم فردي ومتخصص أكثر أهمية.
كما أشارت إلى أن الإجراءات الإدارية والقيود المرتبطة بالهجرة قد تعرقل وصول بعض الضحايا إلى الخدمات الطبية والنفسية.
امرأة حامل تعرضت للاستغلال دون رعاية طبية
عرضت شميدت خلال النقاش مثالًا لامرأة تعرضت للاستغلال الجنسي في إحدى دول الاتحاد الأوروبي قبل وصولها إلى النمسا.
وكانت المرأة حاملًا، لكنها لم تحصل على الرعاية الطبية اللازمة خلال معظم فترة حملها.
وبحسب التقرير، تمكنت مؤسسة LEFÖ-IBF من ترتيب الرعاية الطبية لها في النمسا عندما كانت في الشهر الثامن من الحمل.
واستُخدمت هذه الحالة لتوضيح الصعوبات التي قد يواجهها الأشخاص المستغلون في الوصول إلى الخدمات الأساسية، خصوصًا عندما تتداخل أوضاعهم مع إجراءات الهجرة والإقامة.
وشددت شميدت على أن الحماية الفعلية لا تقتصر على اكتشاف جرائم الاتجار بالبشر، بل تتطلب إزالة العوائق التي تمنع الضحايا من الحصول على المساعدة المناسبة.
التكنولوجيا تحمل مخاطر وفرصًا للحماية
خلصت النقاشات إلى أن تطور الأدوات الرقمية يفرض تحديات جديدة على المؤسسات المعنية بمكافحة الاتجار بالبشر.
فبينما تساعد هذه الأدوات الشبكات الإجرامية على التواصل مع أعداد أكبر من الأشخاص وإنتاج محتوى خداعي بصورة أسرع، يمكن استخدامها أيضًا لتسهيل الوصول إلى المعلومات وخدمات المساعدة والوقاية.
لكن الاستفادة من التكنولوجيا تتطلب تقديم معلومات موثوقة، وإحالة الأشخاص المعرضين للخطر إلى جهات مؤهلة للتعامل مع حالات الاستغلال.
وأكد المؤتمر أهمية التعاون بين السلطات الحكومية والمنظمات الاجتماعية والخبراء التقنيين والمؤسسات الدولية لمواجهة أساليب الاتجار بالبشر المتغيرة.
ويبرز من النقاشات أن مكافحة هذه الجرائم لا تتوقف عند ملاحقة المسؤولين عنها، بل تشمل أيضًا حماية الأشخاص المعرضين للاستغلال، وتوفير الدعم للناجين، وتحسين قدرتهم على بدء حياة مستقرة وآمنة.
النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد.




