النمسا الآن الإخبارية – النمسا العليا
كشفت ممرضة تعمل في أحد مستشفيات الرهبنة في ولاية النمسا العليا عن تفاصيل صادمة من واقع العمل اليومي داخل أقسام التمريض، في وقت يتصاعد فيه التوتر بين الموظفين وإدارات المستشفيات بسبب تعثر المفاوضات حول عقود العمل للكوادر غير الطبية. ويأتي ذلك في ظل تحركات احتجاجية وإضرابات متكررة ينفذها العاملون في هذه المستشفيات للمطالبة بتحسين ظروف العمل وتخفيف ضغط ساعات الدوام، وذلك بحسب وكالة الأنباء النمساوية APA.
وتشهد مستشفيات الرهبنة في ولاية النمسا العليا موجة احتجاجات متكررة بعد فشل جولات المفاوضات بين النقابة وإدارات المستشفيات بشأن عقد العمل الجماعي للعاملين غير الأطباء. وتتمثل نقطة الخلاف الرئيسية في مسألة ساعات العمل، حيث تطالب نقابة vida بتقليل العبء الوظيفي على الكوادر التمريضية. وكانت النقابة قد طرحت في البداية مطلب خفض ساعات العمل إلى 35 ساعة أسبوعيًا، قبل أن تعدل هذا المطلب لاحقًا ليصبح الوصول إلى 37 ساعة أسبوعيًا بحلول عام 2028.
ورغم عقد سبع جولات تفاوضية بين الطرفين، لم يتم التوصل إلى اتفاق حتى الآن، الأمر الذي دفع العاملين إلى تنفيذ إضرابات متكررة. ومن المتوقع أن يتجدد الإضراب مرة أخرى، في ظل استمرار الخلافات حول ظروف العمل ونقص الكوادر في الأقسام الطبية، خاصة في أقسام الطب الباطني التي تعاني من صعوبة كبيرة في جذب الموظفين الجدد.
وفي شهادة مؤثرة نقلتها وسائل إعلام نمساوية، روت ممرضة تعمل في أحد هذه الأقسام تفاصيل يوم عمل قاسٍ عاشته خلال إحدى نوبات العمل في الشتاء الماضي، مشيرة إلى أن الضغط المتزايد داخل المستشفى أصبح يفوق قدرة الطواقم الطبية على التعامل معه بشكل إنساني. وأوضحت أن القسم الذي تعمل فيه يضم 24 سريرًا وغالبًا ما يكون ممتلئًا بالكامل، إضافة إلى وجود حالات طبية إضافية يتم نقلها من أقسام أخرى بسبب نقص الأسرة في أقسام الطب الباطني.
وأشارت الممرضة إلى أنه منذ جائحة كورونا أصبحت المستشفيات تعتمد بشكل متزايد على ما يعرف بإشغال الأقسام بحالات ليست من تخصصها الأصلي، حيث يتم إدخال مرضى من أقسام الطب الباطني إلى أقسام أخرى بسبب نقص الأماكن والكوادر. وفي يوم الحادثة التي روتها، كان القسم يضم ثمانية مرضى من هذا النوع إلى جانب المرضى المعتادين، ما جعل الضغط على الطاقم التمريضي كبيرًا للغاية.
وخلال تلك النوبة، كانت الممرضة مسؤولة عن عدد كبير من المرضى في وقت واحد، في ظل غياب طبيب متواجد بشكل دائم في القسم خلال الليل أو عطلة نهاية الأسبوع. وأوضحت أن الطاقم التمريضي يعتمد عادة على إمكانية التواصل هاتفيًا مع الطبيب المناوب، إلا أن ذلك لم يكن ممكنًا في تلك اللحظة بسبب انشغال الطبيب بحالات طارئة في قسم الطوارئ الذي كان يشهد ضغطًا شديدًا من المرضى.
وأشارت إلى أن حالة أحد المرضى تدهورت بشكل مفاجئ خلال ساعات قليلة. فبعد أن كان يتناول الطعام في وقت الظهيرة بمساعدة الطاقم الطبي، بدأت حالته الصحية بالتدهور السريع في وقت لاحق من اليوم. ومع غياب الطبيب، حاولت الممرضة التعامل مع الوضع قدر الإمكان عبر إعطائه أدوية مسكنة ومحاولة تهدئته، بينما كانت في الوقت نفسه مسؤولة عن متابعة بقية المرضى في القسم.
ومع ازدياد تدهور الحالة الصحية للمريض، دخل الرجل في حالة ذعر شديد وبدأ بالصراخ ومحاولة التمسك بالممرضة خوفًا مما يحدث له. وتروي الممرضة أن المريض كان يصرخ من الألم والخوف، وكان يردد أنه لم يعد قادرًا على التحمل. وأضافت أن الرجل كان يمسك بها بقوة شديدة ويطلب منها ألا تتركه، في لحظة وصفتها بأنها من أكثر اللحظات الإنسانية قسوة في حياتها المهنية.
وتقول الممرضة إنها أدركت في لحظة متأخرة أن الرجل كان في الواقع يحتضر. وتضيف أنها حاولت تهدئته والاقتراب منه والحديث معه حتى لا يشعر بأنه وحيد في لحظاته الأخيرة. وأخبرته أنها موجودة إلى جانبه وأنه لن يبقى وحيدًا، في محاولة لمنحه بعض الطمأنينة في تلك اللحظات الصعبة.
وبعد لحظات قليلة فقط توفي المريض بين يديها، وهو مشهد تقول إنه بقي محفورًا في ذاكرتها. وتوضح أن اللحظة الأخيرة من حياته كانت مصحوبة بصيحة قوية مع النفس الأخير، وهي لحظة قالت إنها لم تكن قد شهدتها من قبل إلا في روايات الآخرين.
لكن العمل في القسم لم يتوقف بعد تلك اللحظة. فبعد وفاة المريض مباشرة بدأت الإجراءات الروتينية لنقل الجثمان وإخلاء السرير لاستقبال مريض آخر. وتوضح الممرضة أن السرير الذي توفي عليه المريض أعيد استخدامه بعد أقل من عشرين دقيقة فقط لاستقبال مريض جديد قادم من قسم الطوارئ بسبب نقص الأسرة.
وتضيف الممرضة أن مأساة تلك النوبة لم تتوقف عند هذا الحد، إذ توفي مريض آخر في القسم نفسه في الليلة ذاتها، ما جعل الضغط النفسي على الطاقم التمريضي شديدًا للغاية. وتقول إنها عندما عادت إلى منزلها بعد انتهاء النوبة انفجرت بالبكاء، ليس فقط بسبب الحزن على المرضى، بل أيضًا بسبب شعورها بالغضب من النظام الصحي الذي يضع الطواقم الطبية في ظروف تجعل من الصعب تقديم الرعاية الإنسانية التي يستحقها المرضى.
وفي اليوم التالي كان عليها العودة مجددًا إلى العمل في نوبة جديدة تمتد اثنتي عشرة ساعة، وهو ما يعكس – بحسب العاملين في القطاع – حجم الضغوط التي يواجهها الطاقم التمريضي يوميًا داخل المستشفيات.
النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد.




