النمسا الآن الإخبارية – النمسا
تشهد النمسا حاليًا فترة جفاف تاريخية، مع استمرار نقص الأمطار في مناطق واسعة من البلاد منذ أشهر، فيما تبدو المناطق الشرقية الأكثر تضررًا من الوضع الاستثنائي الذي يترافق أيضًا مع موجات حرارة قوية سجلت درجات حرارة وصلت إلى 41.2 درجة مئوية خلال صيف 2026. ووفق المعطيات الواردة في التقرير، فإن كميات الأمطار الناقصة خلال الأشهر الماضية بلغت مستويات غير مسبوقة، بينما لا توجد في الوقت الحالي مؤشرات على انفراج سريع في الوضع.
ولا يقتصر الوضع الاستثنائي على موجتي الحر اللتين شهدتهما النمسا هذا الصيف، إذ سجل عام 2026 رقمًا سلبيًا تلو الآخر فيما يتعلق بالتساقطات. وبحسب عالم المناخ كلاوس هازلينغر من مؤسسة GeoSphere Austria، فإن الأشهر الاثني عشر الماضية ستدخل تاريخ القياسات باعتبارها الأكثر جفافًا منذ بدء تسجيل البيانات في عام 1850. ويعكس ذلك حجم النقص المستمر في الأمطار على مدى فترة طويلة، وليس مجرد مرحلة قصيرة من الطقس الجاف.
وتتركز المشكلة بصورة خاصة في شرق النمسا، حيث يسجل كل من فيينا والنمسا السفلى وبورغنلاند عجزًا شبه متواصل في الأمطار منذ 23 فبراير. وخلال الفترة الممتدة من 23 فبراير وحتى 9 أغسطس، لم تتجاوز كمية الأمطار المسجلة 210.9 مليمتر، مقابل متوسط معتاد يبلغ 405 مليمترات. ووفق التقييم الوارد في التقرير، فإن هذه الفترة تعد الأقل من حيث كمية الأمطار بين الفترات المماثلة منذ عام 1961 على الأقل.
وتظهر شدة الجفاف بصورة أوضح في عدد من محطات القياس المحلية. ففي Poysdorf شمال منطقة Weinviertel، لم تسجل أي أمطار على الإطلاق منذ 8 يوليو. كما سجلت محطات أخرى مستويات تاريخية منخفضة في كمية التساقطات. وفي Wiener Neustadt، بلغت كمية الأمطار خلال الفترة من فبراير إلى يوليو 170 مليمترًا فقط، لتكون هذه الأشهر الستة الأكثر جفافًا منذ بدء القياسات هناك عام 1857. وفي Krems، تم تسجيل 177 مليمترًا من الأمطار خلال الفترة نفسها، وهو أيضًا أدنى مستوى مسجل في تاريخ القياسات في تلك المنطقة.
وعلى المستوى الوطني، تعاني النمسا عمومًا من نقص في الأمطار، إلا أن حجم العجز يختلف بين الولايات. وتأتي Niederösterreich في مقدمة المناطق المتضررة بعجز يبلغ 43 في المئة، بينما يبلغ العجز في Oberösterreich نحو 42 في المئة. أما في فيينا وبورغنلاند، فيبلغ النقص في الأمطار 39 في المئة لكل منهما.
ويزيد ارتفاع درجات الحرارة من صعوبة الوضع، إذ لا يتعلق توازن المياه في التربة بكمية الأمطار وحدها، وإنما يتأثر أيضًا بمعدلات التبخر. وفي شرق النمسا، تم تسجيل 26 يومًا حارًا بمتوسط المنطقة خلال الفترة من 23 فبراير إلى 9 أغسطس، وهي الأيام التي بلغت فيها درجات الحرارة 30 درجة مئوية أو أكثر. ويمثل هذا الرقم بدوره مستوى قياسيًا منذ عام 1961 على الأقل.
وأوضح هازلينغر أن الأمطار ليست سوى أحد المكونات التي تتحكم في توازن المياه، بينما يمثل التبخر العامل الثاني. وكلما ارتفعت درجة حرارة الغلاف الجوي، ازدادت قدرته على سحب الرطوبة من التربة. ويُشار إلى هذه العملية باسم التبخر المحتمل، أي ما يمكن وصفه بـ«عطش الغلاف الجوي»، وهو عامل يفاقم آثار نقص الأمطار عندما تستمر درجات الحرارة المرتفعة لفترات طويلة.
ويظهر حجم الجفاف بصورة خاصة من خلال مؤشر SPEI، وهو مؤشر يأخذ في الاعتبار كلًا من التساقطات والتبخر لتقييم مستوى الجفاف. ووفق البيانات الواردة في التقرير، انخفضت قيمة المؤشر في يوليو بالنسبة إلى فترة الاثني عشر شهرًا السابقة إلى أقل من ناقص 4. ويصف هازلينغر هذه القيمة بأنها غير مسبوقة في كامل تاريخ القياسات، مشيرًا إلى أنها تتجاوز حتى مستويات السنوات التي شهدت ظروفًا مناخية متطرفة في السابق.
ولا تشير التوقعات إلى إمكانية إنهاء هذا العجز المائي في وقت قصير حتى في حال عودة الأمطار إلى معدلاتها الطبيعية. وقال هازلينغر إن العجز الموجود حاليًا في كمية التساقطات لا يمكن حتى للأمطار المتوسطة أن تعوضه بسرعة، ما يعني أن فترة طويلة من الأمطار ستكون مطلوبة لتقليص النقص المتراكم وإعادة التوازن إلى الوضع المائي.
وبحسب التوقعات طويلة المدى، قد تصبح الأجواء أكثر رطوبة ابتداءً من أكتوبر، إلا أن هذه التوقعات لا تقدم ضمانًا بحدوث تغير سريع أو واسع في الوضع. وأوضح هازلينغر أن التوقعات طويلة المدى تشير إلى طقس أكثر رطوبة قليلًا اعتبارًا من أكتوبر، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن التنبؤات في منطقة الألب تكون غير مؤكدة أساسًا عندما تتجاوز فترة التوقع شهرًا واحدًا.
وبحسب ما أوردته صحيفة Kronen Zeitung، فإن التطورات الحالية تعني أن عام 2026 قد يبقى في الذاكرة باعتباره العام الأكثر جفافًا في تاريخ القياسات النمساوية. ويربط هازلينغر تطور الوضع بحالة بدأت تتشكل تدريجيًا منذ فيضانات عام 2024، قبل أن يؤدي الربيع والصيف الجافان جدًا، إلى جانب موجات الحر، إلى دفع المؤشرات خلال عام 2026 إلى مستويات قياسية جديدة.
ويقول هازلينغر إن النتيجة الحالية تتمثل في أدنى مستوى تاريخي مسجل حتى نهاية يوليو 2026، بعد تراكم تأثيرات الجفاف منذ الفترة التي أعقبت فيضانات عام 2024 واستمرار الظروف الجافة وارتفاع درجات الحرارة خلال الربيع والصيف. وفي ظل استمرار نقص الأمطار وارتفاع معدلات التبخر، تبقى قدرة البلاد على تعويض العجز المائي مرتبطة بعودة كميات أكبر من الأمطار خلال الفترة المقبلة، بينما لا تظهر حتى الآن إمكانية لتعويض النقص المتراكم خلال فترة قصيرة.
«النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائمًا بكل جديد.»




