النمسا الآن الإخبارية – برلين
تواجه خدمات القطارات الإقليمية في ألمانيا أزمة مالية متصاعدة، وسط تحذيرات من احتمال إلغاء آلاف الرحلات خلال السنوات المقبلة، وارتفاع أسعار التذاكر، نتيجة الزيادة المرتقبة في رسوم استخدام شبكة السكك الحديدية اعتبارًا من عام 2027.
وحذّر وزراء النقل في الولايات الألمانية من أن ارتفاع تكاليف تشغيل القطارات الإقليمية قد يفرض على السلطات المحلية تقليص الخدمات إذا لم تتدخل الحكومة الاتحادية لتوفير تمويل إضافي أو تعديل نظام الرسوم.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة Heute النمساوية صباح السبت 17 أكتوبر 2026، فإن بعض الولايات بدأت بالفعل بإلغاء رحلات محددة، بينما تخشى ولايات أخرى من اضطرارها إلى اتخاذ إجراءات مماثلة.
وتكتسب الأزمة أهمية كبيرة لأن شبكة النقل الإقليمي في ألمانيا يستخدمها نحو 2.8 مليار راكب سنويًا، ما يجعل أي تخفيض واسع في خدماتها مؤثرًا بصورة مباشرة في ملايين الأشخاص، خصوصًا الموظفين والطلاب الذين يعتمدون على القطارات في تنقلاتهم اليومية.
ما سبب الأزمة الجديدة في القطارات الألمانية؟
تعود الأزمة إلى الارتفاع المرتقب في ما يُعرف باسم رسوم استخدام مسارات السكك الحديدية (Trassenentgelte).
وهي مبالغ تدفعها شركات تشغيل القطارات مقابل السماح لقطاراتها باستخدام شبكة السكك الحديدية الألمانية.
وتذهب هذه الرسوم إلى شركة البنية التحتية للسكك الحديدية DB InfraGO، المسؤولة عن إدارة شبكة الخطوط الحديدية.
وكانت القواعد السابقة تحدد الزيادة السنوية لهذه الرسوم بالنسبة إلى النقل الإقليمي بسقف يبلغ 1.5%.
لكن حكمًا أصدرته محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي في مارس 2026 غيّر الوضع القانوني، بعدما اعتبر النظام السابق غير صالح.
وعقب ذلك، قررت الوكالة الاتحادية الألمانية للشبكات (Bundesnetzagentur) رفع رسوم استخدام المسارات للقطارات الإقليمية بنسبة 8% اعتبارًا من عام 2027.
وتعني هذه الزيادة ارتفاع أحد المكونات الأساسية لتكاليف تشغيل القطارات، وهو ما يضع الولايات الألمانية أمام أعباء مالية إضافية لم تكن محسوبة عند إعداد ميزانياتها وإبرام عقود النقل.
وزير النقل البافاري: لا أحد يملك هذه الأموال
أطلق وزير النقل في ولاية بافاريا، كريستيان بيرنرايتر (Christian Bernreiter)، المنتمي إلى الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CSU)، تحذيرًا من التداعيات المالية للقرار.
ويشغل بيرنرايتر أيضًا منصب رئيس مؤتمر وزراء النقل في الولايات الألمانية.
وقال في تصريحات لصحيفة Bild الألمانية:
«علينا الآن استيعاب زيادة بنسبة 8% خلال العام المقبل. وهذه أموال لا يملكها أحد».
وأوضح أن المشكلة لا تتعلق فقط بارتفاع الرسوم، بل أيضًا بالعقود التي أبرمتها الولايات سابقًا مع شركات تشغيل القطارات.
فقد وُقعت تلك العقود استنادًا إلى توقع استمرار الحد الأقصى السابق للزيادات السنوية.
وقال بيرنرايتر إن الولايات أبرمت عقودها اعتمادًا على وجود سقف لرسوم استخدام المسارات، لكن التكاليف بدأت الآن تتجاوز الحسابات التي بُنيت عليها تلك الاتفاقيات.
لماذا تتحمل الولايات الألمانية هذه التكاليف؟
يعتمد تمويل القطارات الإقليمية في ألمانيا على نظام تطلب بموجبه الولايات خدمات النقل من شركات تشغيل السكك الحديدية.
وتحدد السلطات الإقليمية الرحلات والخطوط المطلوبة، ثم تدفع للشركات مقابل تشغيلها.
وعندما ترتفع رسوم استخدام الشبكة، ترتفع معها تكلفة تقديم الخدمات المتفق عليها.
وتصبح الولايات أمام خيارات صعبة، أبرزها زيادة التمويل المخصص للقطارات أو تقليص عدد الرحلات التي تطلب تشغيلها.
ولهذا يحذر المسؤولون من أن الأزمة قد تنتقل من الميزانيات الحكومية إلى الخدمات التي يحصل عليها الركاب.
إلغاء رحلات بالفعل في شليسفيغ هولشتاين
لم تعد المخاوف مقتصرة على توقعات مستقبلية، إذ بدأت ولاية شليسفيغ هولشتاين (Schleswig-Holstein)، الواقعة شمال ألمانيا، بإلغاء بعض رحلات القطارات الإقليمية.
وشملت التخفيضات الأولية رحلات ذات معدلات استخدام منخفضة نسبيًا، خصوصًا خلال ساعات الليل وعطلات نهاية الأسبوع.
لكن المسؤولين يحذرون من أن هذه الإجراءات قد تتوسع إذا استمرت الضغوط المالية.
وقال وزير النقل في الولاية، كلاوس روهه مادسن (Claus Ruhe Madsen)، المنتمي إلى الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، إن عدم توفير دعم مالي إضافي قد يؤدي إلى إلغاء عدد أكبر بكثير من الرحلات.
وأكد أن خدمات النقل المحلي في ألمانيا يجب ألا تتعرض للتهميش بسبب الأزمة المالية.
وتشير هذه التطورات إلى أن تقليص الخدمات بدأ في بعض المناطق بالفعل، بينما لا تزال التحذيرات بشأن إلغاء آلاف الرحلات على مستوى ألمانيا تتعلق باحتمالات مستقبلية، وليست قرارات شاملة دخلت حيز التنفيذ.
بافاريا تحذر من أزمة تمويل بعد 2028
لا تقتصر المخاوف على شمال ألمانيا.
ففي ولاية بافاريا، حذّر وزير النقل كريستيان بيرنرايتر من أن تمويل خدمات القطارات الإقليمية قد يصبح أكثر صعوبة بحلول الفترة التي تلي عام 2028.
ويرتبط ذلك بتراكم الأعباء المالية الناتجة عن زيادة رسوم استخدام الشبكة، بالتزامن مع استمرار الالتزامات التعاقدية القائمة.
ويخشى المسؤولون أن يؤدي غياب حلول طويلة الأجل إلى اضطرار الولايات إلى مراجعة مستوى الخدمات التي تمولها.
ولم يذكر التقرير عددًا محددًا من الرحلات التي قد تُلغى في بافاريا، أو خطوطًا بعينها تقرر وقف تشغيلها.
هل سترتفع أسعار تذاكر القطارات؟
إلى جانب احتمال تقليص الرحلات، يحذر المسؤولون من إمكانية ارتفاع أسعار التذاكر على المدى الطويل.
وأوضح وزير النقل في شليسفيغ هولشتاين أن زيادة رسوم استخدام المسارات قد تنعكس مستقبلًا على الركاب.
فالرسوم تمثل جزءًا مهمًا من تكاليف تشغيل القطارات، وبالتالي فإن ارتفاعها يزيد التكلفة الإجمالية لتقديم خدمات النقل.
وإذا لم تحصل الولايات أو شركات التشغيل على تمويل يعوض هذه الزيادة، فقد تظهر ضغوط تدفع إلى تعديل الأسعار.
لكن من المهم التمييز بين التحذيرات والقرارات الفعلية.
فحتى موعد نشر التقرير، لم يُعلن عن زيادات محددة في أسعار التذاكر نتيجة هذا الخلاف، ولم تُحدد نسبة محتملة للارتفاع.
وبالتالي، فإن الحديث عن ارتفاع الأسعار لا يزال احتمالًا مطروحًا، وليس قرارًا نهائيًا يشمل جميع ركاب القطارات الإقليمية.
مئات الملايين من اليوروهات الإضافية
تطالب الولايات الألمانية بإصلاح شامل لنظام رسوم استخدام السكك الحديدية.
ويرى وزراء النقل أن الحل ينبغي أن يتضمن خفض الرسوم بصورة مستدامة، إلى جانب توفير دعم مالي يحمي ميزانيات الولايات من الأعباء الجديدة.
وبحسب كريستيان بيرنرايتر، فإن التكاليف الإضافية المطروحة تبلغ عدة مئات من ملايين اليوروهات.
ويطالب الوزير الحكومة الاتحادية بتحمل هذه الأعباء أو تعويض الولايات عنها.
ومن المقرر أن يناقش وزراء النقل هذه القضية خلال مؤتمرهم في بافاريا، بهدف التوصل إلى موقف مشترك يطالب برلين باتخاذ إجراءات عاجلة.
خلاف مع وزير المالية الألماني
امتدت الأزمة إلى العلاقة بين حكومات الولايات والحكومة الاتحادية في برلين.
وانتقد وزير النقل البافاري عدم عقد اجتماع كان مطلوبًا مع وزير المالية الاتحادي لارس كلينغبايل (Lars Klingbeil).
وقال بيرنرايتر إن برلين لا تستجيب حاليًا بالشكل المطلوب لمطالب الولايات.
وتنتظر حكومات الولايات تنفيذ الإصلاح المعلن لنظام رسوم استخدام المسارات، على أمل أن يؤدي إلى تخفيف الضغوط المالية.
لكن التقرير لم يذكر التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن حجم التمويل الإضافي أو موعد محدد لتطبيق الإصلاح.
ارتفاع أسعار الوقود يزيد أهمية القطارات
أشار وزير النقل في شليسفيغ هولشتاين إلى جانب آخر من الأزمة، يتعلق بسياسات النقل والبيئة.
وأوضح أن ارتفاع أسعار الوقود يفترض أن يشجع المزيد من الأشخاص على الانتقال من استخدام السيارات الخاصة إلى وسائل النقل العام.
لكن تقليص خدمات القطارات أو زيادة أسعار تذاكرها قد يجعل هذا التحول أكثر صعوبة.
فبالنسبة إلى الموظفين الذين يعتمدون على القطارات للوصول إلى أماكن عملهم، قد يعني إلغاء بعض الرحلات اضطرارهم إلى تغيير مواعيد تنقلاتهم أو البحث عن وسائل نقل بديلة.
كما أن تقليص الرحلات الليلية وخدمات عطلات نهاية الأسبوع قد يؤثر في سكان المناطق التي لا تتوافر فيها بدائل كثيرة للنقل العام.
ماذا تعني الأزمة للركاب؟
يمكن تلخيص الوضع الحالي في ثلاث نقاط رئيسية:
أولًا: تقررت زيادة رسوم استخدام مسارات السكك الحديدية للقطارات الإقليمية بنسبة 8% اعتبارًا من عام 2027.
ثانيًا: بدأت بعض الولايات، ومنها شليسفيغ هولشتاين، بإلغاء رحلات محددة، فيما تحذر السلطات من تخفيضات أوسع إذا لم تُحل مشكلة التمويل.
ثالثًا: ارتفاع أسعار التذاكر احتمال قائم، لكنه لم يتحول بعد إلى قرار محدد مرتبط بهذه الأزمة.
ولا يعني ذلك أن جميع القطارات الإقليمية في ألمانيا ستتوقف عن العمل، أو أن آلاف الرحلات أُلغيت بالفعل.
بل إن التحذيرات تتعلق بإمكانية اتساع نطاق التخفيضات خلال السنوات المقبلة إذا لم تتدخل الحكومة الاتحادية.
مستقبل النقل الإقليمي مرتبط بقرار برلين
تضع الأزمة الحكومة الاتحادية الألمانية أمام مطالب متزايدة بتعديل نظام رسوم السكك الحديدية وتوفير تمويل إضافي للولايات.
ويرى وزراء النقل أن استمرار الزيادات دون تعويض مالي قد يؤدي إلى تقليص خدمات يعتمد عليها ملايين الركاب سنويًا.
وفي المقابل، لم يتضح بعد ما إذا كانت برلين ستتحمل التكاليف الإضافية بالكامل أو ستعتمد صيغة تمويل مختلفة.
وبينما تستمر المباحثات السياسية، تبقى خدمات القطارات الإقليمية في ألمانيا أمام مرحلة من عدم اليقين، مع احتمال اتساع التخفيضات في الرحلات أو انتقال جزء من الأعباء المالية إلى الركاب.
النمسا الآن الإخبارية – نوافيكم دائما بكل جديد.




